عزوف الشباب عن الانتخابات.. صمت انتخابي أم أزمة ثقة؟
"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ "محمد عيدني"
يعيد عزوف شريحة واسعة من الشباب عن المشاركة في الانتخابات طرح سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة القائمة اليوم بين الجيل الجديد والسياسة والمؤسسات المنتخبة.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بنسبة المشاركة في يوم الاقتراع، وإنما أصبحت تعكس تحولات أعمق في نظرة الشباب إلى العمل السياسي، وإلى الأحزاب، وإلى قدرتهم على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
فهل ابتعاد الشباب عن صناديق الاقتراع دليل على عدم الاهتمام بالشأن العام؟ أم أنه تعبير عن تراجع الثقة في جدوى المشاركة السياسية؟
الحقيقة أن الظاهرة أكثر تعقيدا من أن تختزل في كلمة واحدة.
حين يصبح التصويت سؤالا عن الجدوى
يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع عندما يشعر أن لصوته قيمة، وأن اختياره يمكن أن يساهم في تغيير الواقع. لكن عندما تتكرر الوعود دون أن يلمس المواطن نتائجها، ويشعر بأن الفارق بين مرحلة انتخابية وأخرى محدود في حياته اليومية، فإن الحماس للمشاركة يبدأ في التراجع.
بالنسبة إلى بعض الشباب، لم يعد السؤال هو: لمن سأصوت؟ بل أصبح: ماذا سيغير صوتي؟
وهنا تتحول الانتخابات من فرصة للمشاركة إلى مناسبة ينظر إليها البعض بقدر من الشك أو اللامبالاة الظاهرية، بينما تخفي في العمق شعورا بعدم القدرة على التأثير.
واقع اجتماعي لا يمكن تجاهله
لا يمكن فصل عزوف الشباب عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشونها.
فالشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، أو يواجه صعوبة في الاستقرار، أو يجد نفسه أمام ارتفاع متواصل في تكاليف الحياة، قد ينظر إلى السياسة من زاوية مختلفة. فحين تصبح الأولوية هي تأمين المستقبل، تتراجع تلقائياً أهمية الخطاب السياسي الذي لا يقدم إجابات واضحة عن مشكلات الحياة اليومية.
ولهذا فإن إعادة الشباب إلى المشاركة لا تبدأ فقط من صناديق الاقتراع، وإنما تبدأ أيضاً من معالجة القضايا التي تشكل مصدر قلقهم الحقيقي.
الأحزاب مطالبة بمراجعة خطابها
تواجه الأحزاب السياسية تحدياً كبيراً في استعادة ثقة الشباب.
فالجيل الجديد لم يعد يكتفي بالشعارات العامة، وإنما يبحث عن برامج واضحة، ووجوه جديدة، وكفاءات قادرة على تقديم حلول واقعية. كما أن حضور الشباب خلال الحملات الانتخابية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد وسيلة للحصول على الأصوات، ثم ينتهي دوره بانتهاء الاستحقاق.
الشباب يريد أن يكون شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد ناخب يتم استدعاؤه في المواسم الانتخابية.
ومن هنا، فإن تجديد النخب، وتقوية الديمقراطية الداخلية، وإعطاء الكفاءات الشابة فرصة حقيقية لتحمل المسؤولية، يمكن أن يشكل مدخلا أساسيا لإعادة بناء العلاقة بين الشباب والعمل السياسي.
وسائل التواصل غيرت قواعد اللعبة
يعيش الشباب اليوم في فضاء مختلف تماما عن الأجيال السابقة. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مجالا واسعا للتعبير والنقاش والاحتجاج وتبادل الأفكار.
لكن المفارقة أن الشاب قد يكون شديد الاهتمام بالقضايا السياسية على الإنترنت، وفي الوقت نفسه لا يرى ضرورة للذهاب إلى صندوق الاقتراع.
وهذا يعني أن المشكلة ليست بالضرورة في غياب الاهتمام بالشأن العام، وإنما في ضعف الثقة في الوسائل التقليدية للمشاركة.
لذلك فإن الخطاب السياسي مطالب بأن يتغير، وأن يقترب من اللغة التي يفهمها الشباب، وأن يستعمل الوسائل الحديثة ليس فقط للدعاية، وإنما للحوار والاستماع والتفاعل.
المال والنفوذ يضران بصورة الانتخابات
تتأثر الثقة في الانتخابات عندما تنتشر لدى المواطنين قناعة بوجود ممارسات غير سليمة، سواء تعلق الأمر باستعمال المال، أو استغلال النفوذ، أو تقديم وعود انتخابية لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
ومهما كانت نسبة انتشار هذه الممارسات، فإن مجرد وجودها في الوعي الجماعي يمكن أن يضر بصورة العملية الانتخابية.
ولهذا فإن حماية نزاهة الانتخابات، وتعزيز الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ليست إجراءات تقنية فقط، بل عناصر أساسية في بناء الثقة وتشجيع المواطن على المشاركة.
لا يمكن تحميل الشباب وحدهم المسؤولية
من السهل توجيه اللوم إلى الشباب بسبب العزوف، لكن المقاربة المهنية تقتضي البحث أيضاً عن الأسباب التي أنتجت هذه الحالة.
فالمشاركة السياسية علاقة متبادلة: المواطن يشارك عندما يشعر بأن المؤسسات تستمع إليه، والأحزاب تقنعه، والانتخابات تمنحه إمكانية حقيقية للتأثير.
أما مطالبة الشباب بالتصويت دون إصلاح أسباب النفور من السياسة، فلن تكون كافية لتغيير الواقع.
إن المسؤولية موزعة بين مختلف الفاعلين: الأحزاب، والمؤسسات، والمنتخبين، والمجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية والإعلامية، فضلا عن الشباب أنفسهم.
المدرسة والإعلام.. دور يتجاوز التحسيس
تحتاج المشاركة السياسية إلى ثقافة مواطنة تبدأ في سن مبكرة.
فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعلومات فقط، بل يمكن أن تكون فضاءً لتعلم الحوار، والاختلاف، وانتخاب الممثلين، وتحمل المسؤولية، واحترام الرأي الآخر.
كما أن الإعلام مطالب بدوره بتقديم نقاش سياسي جاد، بعيدا عن الإثارة والموسمية، يساعد المواطن على فهم البرامج والاختيارات والسياسات، ويمنحه القدرة على بناء موقفه على أساس المعرفة لا على أساس الانطباع.
العزوف ليس دائما لامبالاة
قد يكون العزوف أحيانا نتيجة عدم اهتمام، وقد يكون نتيجة ظروف شخصية أو اجتماعية، لكنه في حالات أخرى يمكن أن يكون مؤشرا على أزمة ثقة.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى الشاب الذي لا يصوت باعتباره مواطنا غير مبال بالضرورة، بل يجب طرح السؤال الأعمق:
لماذا لم يعد يشعر بأن المشاركة تستحق العناء؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر أهمية من مجرد البحث عن كيفية رفع نسبة المشاركة.
الخلاصة
يحتاج المغرب إلى نقاش جدي حول علاقة الشباب بالسياسة، لا يقتصر على الحملات الانتخابية، بل يمتد إلى طبيعة الحياة السياسية نفسها.
فإعادة الثقة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالممارسة؛ وبانتخابات نزيهة، ومؤسسات فعالة، وأحزاب متجددة، ومسؤولين يخضعون للمساءلة، وسياسات عمومية تستجيب للحاجات الحقيقية للمواطنين.
الشباب ليس مجرد كتلة انتخابية، ولا رقماً يضاف إلى نتائج الاقتراع.
إنه قوة اجتماعية وسياسية قادرة على المساهمة في بناء المستقبل.
وإذا كان جزء من الشباب قد ابتعد عن صندوق الاقتراع، فإن الرسالة لا ينبغي أن توجه إليه وحده، بل ينبغي أن تصل أيضا إلى كل من يشارك في صناعة القرار.
فالعزوف الانتخابي ليس دائما علامة على غياب الاهتمام بالوطن، وقد يكون في بعض الحالات تعبيرا صامتا عن رغبة في رؤية سياسة أكثر صدقا، ومؤسسات أكثر فعالية، وانتخابات يشعر المواطن فعلا بأن لصوته فيها قيمة.

التعليقات مغلقة.