أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حين تسلب حرية الإنسان دون أن يشعر

"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ "محمد عيدني"

تأملات في التلاعب النفسي والرواقية واستعادة السيادة على الذات..

لا يبدأ فقدان الإنسان لحريته النفسية دائماً بأمرٍ مباشر، ولا يحتاج المتلاعب إلى قوة ظاهرة حتى يفرض حضوره على حياة الآخرين.

أحيانا تبدأ السيطرة من فكرة صغيرة، أو من شعور بالذنب، أو من خوف من الرفض، ثم تتوسع تدريجيا حتى يصبح الإنسان أسيرا لقرارات لم يعد يعرف إن كانت نابعة من إرادته أم من تأثير شخص آخر.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: قد يفقد الإنسان حريته دون أن يشعر بأنه فقدها.
فالمتلاعب لا يقول بالضرورة: «افعل ما أريد».

بل قد يدفعك إلى الاعتقاد بأن ما تفعله هو اختيارك أنت. وقد لا يمنعك من التعبير عن رأيك، لكنه يجعلك تشك في صحة إدراكك.

وقد لا يطلب منك الاعتذار مباشرة، لكنه يدفعك إلى الشعور بالذنب حتى تجد نفسك معتذرا عن أمر لم ترتكبه.
ومن هنا يصبح التلاعب النفسي أكثر من مجرد تأثير في السلوك؛ إنه محاولة لإعادة تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالواقع وبالآخرين.

حين يصبح الشك في الذات أداة للسيطرة
من أخطر صور التلاعب أن يُدفع الإنسان باستمرار إلى التشكيك في إدراكه للأحداث.
«أنت تتوهم.»
«أنت حساس أكثر من اللازم.»
«لم يحدث ذلك كما تتذكر.»
«أنت تفهم الأمور بطريقة خاطئة

قد تبدو هذه العبارات بسيطة، لكنها عندما تتكرر بصورة منهجية يمكن أن تؤثر في ثقة الإنسان بحكمه الشخصي. وهنا تنتقل السيطرة من الخارج إلى الداخل؛ إذ لا يعود الإنسان بحاجة إلى من يفرض عليه رأيا، لأنه يبدأ بنفسه في التشكيك في ذاكرته ومشاعره وأحكامه.
وهذه واحدة من أخطر مراحل التلاعب: أن يصبح الإنسان بحاجة إلى شخص آخر حتى يخبره بما رأى، وما شعر به، وما إذا كان محقا أم مخطئا.
فرويد: الإنسان ليس شفافا أمام نفسه
قدم سيغموند فرويد مدخلا مهما لفهم هذه المسألة عندما أبرز دور اللاوعي في تشكيل السلوك والرغبات. فالإنسان، وفق المنظور التحليلي، لا يعرف دائماً جميع الدوافع التي تقف خلف اختياراته.
قد يظن أنه اختار لأنه يريد، بينما تكون وراء اختياره حاجة إلى القبول، أو خوف من الهجر، أو رغبة في تجنب الصراع، أو بحث عن الاعتراف.
وهنا يجد التلاعب النفسي مساحته.

فالمتلاعب لا يصنع بالضرورة نقطة الضعف، بل قد يكتشف نقطة موجودة أصلا ويعرف كيف يستثمرها.
الخوف من فقدان شخص، الحاجة إلى الحب، الشعور المزمن بالذنب، الرغبة في إرضاء الآخرين، أو الخوف من الوحدة؛ كلها احتياجات إنسانية طبيعية. لكنها تتحول إلى منافذ للسيطرة عندما يستخدمها شخص آخر بصورة واعية للضغط والتوجيه.
يونغ وظلال النفس
أما كارل غوستاف يونغ، فقد أضاف بعدا آخر إلى فهم النفس من خلال مفهوم «الظل»، أي الجوانب التي قد يرفض الإنسان الاعتراف بها أو يبعدها عن وعيه.
فالإنسان الذي لا يعرف مخاوفه جيداً قد يصبح أكثر عرضة لأن تتحكم فيه. والذي لا يفهم حاجته إلى القبول قد يجد نفسه يرضي الآخرين باستمرار على حساب كرامته. والذي لم يتصالح مع شعوره بالذنب قد يكون أكثر قابلية للاستجابة لمن يجيد استخدام الذنب كسلاح.

لذلك فإن معرفة الذات ليست ترفا فلسفيا، بل يمكن أن تكون وسيلة لحماية الحرية الداخلية.
الابتزاز العاطفي: عندما يتحول الحب إلى ضغط
لا يأتي الابتزاز العاطفي دائماً في صورة تهديد صريح. قد يأتي في عبارة تبدو للوهلة الأولى عاطفية:
«إذا كنت تحبني فعلاً، لفعلت ذلك.»
«بعد كل ما فعلته من أجلك، هكذا تعاملني؟»
هنا يتحول الحب من علاقة تقوم على الاختيار إلى أداة ضغط، ويتحول الضمير من قيمة أخلاقية إلى وسيلة لإجبار الإنسان على الخضوع.
والأمر نفسه ينطبق على الصمت العقابي. فالصمت قد يكون حاجة مشروعة إلى الهدوء والابتعاد عن النزاع، لكنه يتحول إلى تلاعب عندما يستخدم عمدا لإثارة الخوف والقلق ودفع الطرف الآخر إلى الاعتذار أو المطاردة أو التنازل.
بين الاهتمام والحرمان
ومن الأساليب النفسية التي قد تخلق ارتباطا مضطربا أن يمنح شخص الآخر اهتماما استثنائيا ثم يسحبه بصورة مفاجئة.
فيبدأ الطرف الآخر في مطاردة الاهتمام الذي فقده، منتظرا عودته، ومراقبا تغيرات سلوك الطرف المقابل.

وهكذا تتحول العلاقة من مساحة للأمان والاحترام إلى دائرة من التوتر والانتظار والمكافأة والحرمان.
لكن المسؤولية هنا يجب أن تفهم بدقة: فهم قابلية الإنسان للتأثر لا يعني تحميله مسؤولية التلاعب الذي تعرض له. فالمسؤولية الأخلاقية تقع على من يستخدم نقاط ضعف الآخر للسيطرة عليه، لا على الشخص الذي كانت لديه حاجات إنسانية طبيعية.
الرواقية: استعادة السلطة على الداخل
وهنا تلتقي هذه الأسئلة النفسية مع واحدة من أهم الأفكار التي طرحتها الفلسفة الرواقية: التمييز بين ما نستطيع التحكم فيه وما لا نستطيع التحكم فيه.

فالإنسان لا يستطيع أن يتحكم دائما في رأي الآخرين، ولا في تصرفاتهم، ولا في نواياهم، ولا في الطريقة التي يحكمون بها عليه. لكنه يستطيع، بدرجات متفاوتة، أن يعمل على موقفه الداخلي، وعلى اختياراته، وعلى الحدود التي يضعها في علاقاته.
وهذه الفكرة تحمل معنى عميقا في مواجهة التلاعب.
فالحرية ليست أن تمنع الآخرين من التأثير فيك تماما؛ فهذا أمر يكاد يكون مستحيلا.

وإنما أن تعرف متى تتوقف عن منح الآخرين سلطة كاملة على تفسيرك لذاتك.
أن تقول:
أنا أسمع رأيك، لكنني لا أتخلى عن حكمي.
أراجع نفسي، لكنني لا أتهم نفسي لمجرد أنك اتهمتني.
أحبك، لكن حبي لك لا يعني إلغاء حدودي.
أعتذر عندما أخطئ، لكنني لا أعتذر لمجرد إنهاء الضغط.
الحرية ليست أن تفعل ما تريد
الحرية النفسية أعمق من مجرد القدرة على الاختيار.

قد يكون الإنسان قادرا على الاختيار، لكنه لا يعرف لماذا اختار. وقد يعتقد أنه حر، بينما تحركه مخاوف قديمة لم يفهمها، أو حاجة شديدة إلى القبول، أو رغبة في تجنب الوحدة.
لذلك يمكن القول إن الحرية الحقيقية تبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يسأل نفسه:

لماذا أريد هذا؟
لماذا أخاف من رفض الآخر؟
لماذا أشعر بالذنب؟
لماذا أقبل بما يؤذيني؟
ولماذا أحتاج دائما إلى موافقة الآخرين حتى أشعر بأنني على حق؟

هذه الأسئلة ليست ضعفا، بل بداية للوعي.
استعادة العلاقة مع الذات
مواجهة التلاعب لا تبدأ دائما بمحاولة كشف نوايا الآخرين؛ لأننا لا نستطيع أن نقرأ ما في داخلهم. إنها تبدأ باستعادة العلاقة مع الذات.
أن تثق بإدراكك، مع الاحتفاظ بالقدرة على مراجعته.

أن تضع حدودا دون عدوان.
أن تفرق بين الحب والخضوع.
أن تفرق بين التسامح والتنازل عن الكرامة.
أن تفرق بين المسؤولية الحقيقية والشعور المصطنع بالذنب.
فأخطر ما يمكن أن يفعله المتلاعب ليس أن يجبرك على فعل شيء لا تريده، بل أن يجعلك تريد الشيء الذي يريده هو، ثم تقنع نفسك بأن القرار كان قرارك أنت.
وهنا يتحول سؤال التلاعب النفسي إلى سؤال فلسفي أعمق عن الحرية:
هل نحن أحرار حقا عندما تكون قراراتنا صادرة عن مخاوف لم نكتشفها، وحاجات لم نفهمها، وصورة عن أنفسنا صنعها الآخرون داخلنا؟

ربما تكون الإجابة الأولى أن الحرية لا تعني غياب التأثير، وإنما القدرة على الوعي به.
فالإنسان لا يصبح حراً لأنه لا يتأثر، بل لأنه يعرف متى يتأثر، ولماذا يتأثر، وأين يجب أن يتوقف.
وهنا تلتقي الرواقية مع التحليل النفسي في نقطة إنسانية عميقة: ما لا نعرفه عن أنفسنا قد يحكمنا، أما ما نراه بوعي ونفهمه ونواجهه، فيصبح أقل قدرة على امتلاكنا.
وفي النهاية، قد تكون أعظم أشكال الحرية أن يستطيع الإنسان أن يعيش مع الآخرين دون أن يفقد نفسه، وأن يحب دون أن يخضع، وأن يتسامح دون أن يلغي كرامته، وأن يستمع إلى الآخرين دون أن يتنازل عن حقه في أن يرى العالم بعينيه.
تلك هي السيادة الحقيقية على الذات.

التعليقات مغلقة.