تشهد روسيا، ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، أزمة غير مسبوقة في قطاع الطاقة، بعدما اضطرت لأول مرة منذ عقود إلى استيراد البنزين والديزل والمنتجات النفطية المكررة، نتيجة الهجمات المكثفة التي استهدفت مصافي التكرير بواسطة الطائرات المسيّرة الأوكرانية.
وأدت الضربات، التي تصاعدت منذ مطلع عام 2026، إلى تعطيل عدد من أكبر المصافي الروسية، من بينها مصفاتا “نورسي” و”أومسك”، اللتان تعدان من أبرز منتجي البنزين في البلاد، إضافة إلى مصفاتي ساراتوف وموسكو، ما تسبب في تراجع كبير في قدرات التكرير وخلق نقص حاد في الوقود داخل السوق الروسية.
ووفق المعطيات المتوفرة، خرج أكثر من 35 في المائة من طاقة التكرير الروسية عن الخدمة، في وقت انخفض فيه إنتاج البنزين إلى نحو 65 في المائة فقط من مستوى الطلب المعتاد خلال فصل الصيف، مع تسجيل عجز يومي يتراوح بين 40 و45 ألف طن.
انعكست الأزمة بسرعة على الحياة اليومية للمواطنين الروس، حيث شهدت العديد من المدن، بما فيها العاصمة موسكو، طوابير طويلة أمام محطات الوقود، بينما اضطرت بعض المحطات إلى الإغلاق بسبب نفاد المخزون.
ولاحتواء الأزمة، فرضت السلطات الروسية نظاماً لتقنين التزود بالوقود في عدد من المناطق، يعتمد على أرقام لوحات السيارات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود بنحو 20 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
وفي محاولة لتأمين احتياجات السوق الداخلية، قررت الحكومة الروسية حظر صادرات الديزل إلى غاية نهاية يوليوز الجاري، بعدما كانت قد فرضت في وقت سابق قيوداً على صادرات البنزين ووقود الطائرات.
كما اتجهت موسكو إلى استيراد الوقود من عدة دول، أبرزها الهند، التي بدأت بالفعل في تصدير شحنات كبيرة من البنزين إلى روسيا، في مفارقة لافتة تتمثل في أن نيودلهي تستورد النفط الخام الروسي بأسعار مخفضة، قبل إعادة تصديره إلى روسيا بعد تكريره بأسعار أعلى.
وشهدت واردات الوقود من بيلاروسيا بدورها ارتفاعاً، فيما تواصل موسكو مفاوضاتها مع كازاخستان لاستيراد البنزين، إلى جانب دراسة خيارات إضافية في الأسواق الآسيوية، خاصة الصين.
ولتسهيل عمليات الاستيراد، ألغت الحكومة الروسية الرسوم الجمركية على المنتجات النفطية المستوردة، وقدمت دعماً مالياً للمستوردين، كما سمحت بشكل مؤقت بإنتاج أنواع من الوقود بمواصفات بيئية أقل صرامة.
لم تقتصر آثار الأزمة على الداخل الروسي، بل امتدت إلى الأسواق العالمية للطاقة، إذ أدى تعطل عمليات التكرير إلى زيادة صادرات النفط الخام الروسي، ما رفع المعروض العالمي من الخام، في مقابل تراجع صادرات الديزل والبنزين، وهو ما تسبب في نقص ملحوظ في الأسواق الدولية، باعتبار روسيا من أكبر مصدري الديزل في العالم.
وأفضى هذا الوضع إلى ارتفاع هوامش أرباح المصافي في أوروبا والولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، بالتزامن مع زيادات ملحوظة في أسعار المنتجات النفطية المكررة.
وتثير هذه التطورات مخاوف بشأن انعكاساتها على المغرب، الذي يعتمد بشكل كامل على استيراد الوقود المكرر منذ توقف نشاط مصفاة “سامير” سنة 2015.
وخلال سنة 2025، استورد المغرب نحو 645 ألف طن من الديزل الروسي، فيما بلغت وارداته خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 حوالي 489 ألف طن، بما يمثل نحو 45 في المائة من إجمالي وارداته من هذه المادة.
ويرى متابعون أن استمرار الحظر الروسي على صادرات الديزل قد يهدد استقرار الإمدادات نحو السوق المغربية، ويزيد من الضغوط على أسعار المحروقات، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية.
كما قد تنعكس أي زيادات جديدة في أسعار الوقود على تكاليف النقل والإنتاج الفلاحي والخدمات اللوجستية، بما يرفع معدلات التضخم ويؤثر على القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وفي المقابل، قد تستفيد شركات تخزين وتوزيع المحروقات التي تتوفر على مخزونات تم اقتناؤها بأسعار أقل، مع ارتفاع قيمتها التجارية في ظل اضطراب الأسواق.
ويعتبر خبراء أن اضطرار روسيا إلى استيراد الوقود يمثل تحولاً استراتيجياً غير مسبوق بالنسبة لدولة تعد من أكبر القوى النفطية في العالم، ويعكس حجم الأضرار التي لحقت بقطاع التكرير نتيجة الحرب.
كما يحذر محللون من أن استعادة القدرات الروسية السابقة قد تستغرق وقتاً طويلاً، نظراً لاعتماد عدد من المصافي على تقنيات ومعدات غربية يصعب تعويضها بسرعة.
ورغم توقعات بتحسن نسبي في الإمدادات خلال النصف الثاني من شهر يوليوز في حال تراجع الهجمات، فإن استمرار استهداف البنية التحتية النفطية الروسية يبقي أسواق الطاقة العالمية في حالة من عدم اليقين، ويجعل الدول المستوردة، وفي مقدمتها المغرب، عرضة لموجات جديدة من تقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات.

التعليقات مغلقة.