أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

سقوط مهني في ساحة الواجب يفتح ملف حماية الكفاءات

محمد عيدني

​عندما يسقط مهني في ساحة الواجب، فإن الجريمة تتجاوز حدود الفعل الجنائي المأساوي لتتحول إلى رصاصة غادرة تستهدف قلب الاستقرار المجتمعي. ما عشناه مؤخراً من فاجعة اهتز لها الرأي العام، ليس سوى انعكاس صارخ لواقع مرير باتت فيه الكفاءات الوطنية تدفع فاتورة الانفلات وغياب الحماية، في وقت يكتفي فيه مدبرو الشأن العام بموقف المتفرج، وكأن الأمر يحدث في جغرافيا أخرى.
​إن دماء هذا المهني تسائل، قبل الجاني، أولئك الذين أفرزتهم صناديق الاقتراع بقوة المال والنفوذ، لا بقوة البرامج والكفاءة. لقد أثبتت هذه الواقعة أن “الوجوه المحروقة” التي سارعت لاحتلال مقاعد المسؤولية وتوريثها لأبنائها، هي ذاتها التي تتهرب اليوم من تحمل تبعات سياساتها وعجزها عن توفير بيئة آمنة تضمن سلامة من يشكلون العصب الحي للبلاد.
​كيف لبرلماني أو مسؤول، وصل إلى موقعه مستغلاً عزوفاً انتخابياً أو سطوة مالية، وتوارى عن الأنظار بمجرد إغلاق مكاتب التصويت، أن يمتلك الكفاءة للتشريع ووضع قوانين تحمي المهنيين؟ والأدهى من ذلك، أن هؤلاء اختاروا القطيعة المتعمدة مع الإعلام الجاد؛ هربوا من الحوارات، وتجنبوا الأسئلة، وأغلقوا قنوات التواصل، في محاولة يائسة لتغييب الرأي العام وتمرير سياسة الصمت والتعتيم لتجنب فضح الاختلالات.
​غياب التواصل المؤسساتي ليس مجرد صدفة، بل هو نهج مقصود للهروب من المحاسبة. وهنا تتجلى خطورة تهميش السلطة الرابعة. فلا ديمقراطية حقيقية، ولا حماية لمكتسبات الوطن، بدون إعلام مهني حر ومستقل، يمتلك الجرأة لكسر طوق التعتيم، وتنوير الرأي العام، وتعرية عجز النخب التي سقطت في أبسط اختبارات المسؤولية.
​اليوم، نحن أمام مفترق طرق حقيقي. لا يمكن للوطن أن ينهض في ظل استمرار سيطرة نخب تفتقر للتكوين، ولا يمكن للكفاءات أن تستمر في العطاء وهي تشعر بأنها متروكة لمصيرها. المطلوب فوراً هو وقفة حازمة تعيد الاعتبار لدولة الحق والقانون، وتجعل من حماية المهنيين أولوية تشريعية لا تقبل التأجيل. إن استمرار سياسة الهروب إلى الأمام هو اغتيال متجدد للأمل، والمسؤولية تقع كاملة على عاتق من ارتضوا لأنفسهم إدارة الشأن العام ثم اختاروا الاختباء حين ناداهم الواجب.

التعليقات مغلقة.