للبار في فاس الجنوبية.. هل يربح الرهان مجدداً؟
بقلم: محمد عيدني – إعلامي متخصص
تدخل دائرة فاس الجنوبية مرحلة انتخابية مختلفة، بعدما بدأ السباق نحو استحقاقات 2026 يفرز أسماءه ويكشف تدريجياً عن ملامح معركة سياسية يتوقع أن تكون من أكثر المعارك الانتخابية سخونة بمدينة فاس.
ويبرز اسم عزيز اللبار في مقدمة هذه المعركة، بعدما جدد حزب الأصالة والمعاصرة ثقته فيه وقرر الدفع به وكيلاً للائحته بدائرة فاس الجنوبية، في قرار يحمل أكثر من دلالة سياسية وانتخابية، خصوصاً أن الدائرة تعد من الدوائر التي يصعب فيها ضمان المقعد قبل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
ولا تبدو عودة اللبار إلى السباق مجرد استمرار طبيعي لمساره البرلماني، بل تبدو أقرب إلى اختبار جديد لشخصية سياسية راكمت حضوراً اقتصادياً وانتخابياً وبرلمانياً، وفي الوقت نفسه راكمت خصومات ونقاشات جعلت اسمه واحداً من أكثر الأسماء إثارة للجدل داخل المشهد الفاسي.
من مواجهة الإدارة إلى اختبار الصندوق
عرف مسار اللبار السياسي واحدة من أكثر محطاته إثارة سنة 2023، عندما اندلع خلاف بينه وبين الوالي السابق لجهة فاس-مكناس سعيد زنيبر على خلفية منعه من حضور لقاء جهوي حول الاستثمار ومناخ الأعمال.
وتحولت الواقعة آنذاك إلى قضية ذات صدى وطني، بعدما أفادت تقارير صحفية بأن وزارة الداخلية استدعت الوالي للاستماع إليه بشأن ملابسات القضية، في وقت أثارت الواقعة نقاشاً حول العلاقة بين المنتخبين والسلطات الترابية وحدود تدبير الاختلاف بين المؤسسات.
لكن تحويل تلك الواقعة القديمة إلى معيار للحكم على الوضع السياسي الحالي سيكون تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً؛ فالمعادلة السياسية في فاس تغيرت، والفاعلون تغيروا، كما أن الاستحقاق الانتخابي المقبل يفرض على الجميع الاحتكام إلى القانون وإرادة الناخبين.
ولا توجد، وفق المعطيات الموثقة المتاحة، أرضية تسمح بالقول إن وزارة الداخلية تتبنى مرشحاً بعينه أو تمنح «رضا قبلياً» لأي طرف. فالانتخابات في نهاية المطاف ليست صفقة بين المرشحين والإدارة، وإنما استحقاق تحكمه القواعد القانونية وصندوق الاقتراع.
التزكية.. أول انتصار وليس آخر المعركة
يحمل قرار الأصالة والمعاصرة بإعادة تزكية اللبار دلالة واضحة: الحزب يرى فيه اسماً قادراً على خوض مواجهة انتخابية قوية في فاس الجنوبية.
وقد أعلنت قيادة الحزب خلال سنة 2026 عن ترشيح عزيز اللبار بالدائرة الجنوبية، كما شارك إلى جانب قيادات الحزب في لقاءات تنظيمية وتواصلية بفاس استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
لكن التزكية الحزبية، مهما كانت أهميتها، لا تعني الفوز.
فبين قرار القيادة المركزية للحزب وبين إعلان النتائج النهائية مسافة طويلة اسمها الناخب الفاسي.
وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي للبار: هل يستطيع تحويل حضوره السياسي والاقتصادي والإعلامي إلى أصوات انتخابية فعلية؟
البرلمان.. ماذا قدم اللبار؟
تظهر المعطيات الرسمية لمجلس النواب أن عزيز اللبار يشغل عضوية لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، وأنه طرح خلال الولاية التشريعية 2021-2026 عدداً من الأسئلة البرلمانية حول ملفات اقتصادية واجتماعية، من بينها وضعية قطاع النسيج والألبسة والتدابير المتعلقة بآثار التوترات الجيوسياسية على الاقتصاد الوطني والفئات الهشة.
كما واصل خلال 2026 الترافع حول الاستثمار، حيث تناول في إحدى الجلسات موضوع العراقيل المرتبطة بالعقار والمساطر الإدارية وتحسين مناخ الأعمال.
وهذه الحصيلة ستكون، دون شك، جزءاً من المعركة الانتخابية المقبلة.
فالناخب لم يعد يكتفي بصورة المرشح أو حضوره في المناسبات؛ بل أصبح يسأل: ماذا فعل؟ ماذا حقق؟ ماذا تغير؟
رجل أعمال أم برلماني؟
تكمن إحدى نقاط قوة اللبار في كونه لا يدخل المعركة الانتخابية من بوابة السياسة فقط.
فحضوره في قطاع السياحة والأعمال يمنحه شبكة علاقات اقتصادية واجتماعية واسعة، كما يجعل اسمه معروفاً خارج الإطار الحزبي الضيق.
لكن هذه الميزة نفسها يمكن أن تتحول إلى سؤال انتخابي كبير.
فالناخب قد يسأل عن العلاقة بين رجل الأعمال والبرلماني، وعن قدرة المرشح على الفصل الواضح بين المصالح الاقتصادية والمسؤولية السياسية، وعن طبيعة الأثر الذي يمكن أن يتركه هذا النفوذ في خدمة المدينة.
وهنا ستكون الشفافية، أكثر من الخطاب الانتخابي، أحد مفاتيح المعركة.
فاس الجنوبية.. لا مقاعد مضمونة
تبدو فاس الجنوبية واحدة من أكثر الدوائر حساسية انتخابياً، بحكم وجود أسماء سياسية لها تجارب وقواعد انتخابية وحضور محلي.
وقد أشارت تقارير سياسية إلى منافسة قوية منتظرة بالدائرة، التي تضم أربعة مقاعد، مع حضور أسماء وازنة من أحزاب مختلفة.
لذلك فإن عزيز اللبار لا يخوض معركة ضد مرشح واحد.
إنه يخوض معركة ضد خريطة سياسية كاملة.
وسيحتاج إلى تعبئة تنظيمية، وحضور ميداني، ورسالة انتخابية واضحة، وقدرة على إقناع شرائح مختلفة من الناخبين بأن التجربة السابقة تستحق ولاية جديدة.
هل تغيرت صورة اللبار؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية.
فاللبار الذي يدخل انتخابات 2026 ليس هو نفسه اللبار الذي دخل استحقاقات سابقة.
لقد راكم تجربة برلمانية، ووسع حضوره السياسي، ومر بمحطات صدامية مع الإدارة، كما عزز حضوره داخل حزبه.
وفي المقابل، أصبح مطالباً بتقديم إجابات أكثر وضوحاً حول حصيلته، خصوصاً في ملفات التشغيل، والنقل، والصحة، والاستثمار، والبنيات التحتية، ومشاكل الشباب.
ومن هنا فإن المعركة المقبلة لن تكون مجرد معركة شعارات، بل معركة حصيلة مقابل انتظارات.
الصمت الإعلامي لا يعني الغياب
وفي خضم النقاش حول حضور اللبار، يذهب البعض إلى الحديث عن تراجع ظهوره الإعلامي أو دخوله مرحلة من الاعتكاف.
لكن المعطيات المتاحة لا تدعم وصف الوضع بالغياب السياسي الكامل، إذ شارك الرجل خلال 2026 في لقاءات حزبية وتنظيمية وتواصلية مرتبطة بالاستعداد للانتخابات.
وقد يكون التحول في طريقة التواصل مقصوداً: الانتقال من السجال الإعلامي إلى العمل التنظيمي والميداني.
غير أن هذا الخيار سيبقى تحت الاختبار، لأن الانتخابات الحديثة لا تُدار فقط داخل القاعات، وإنما أيضاً في الفضاء الرقمي والإعلامي، حيث أصبحت صورة المرشح وحضوره وخطابه جزءاً من معركة الإقناع.
السؤال الذي سيحسم كل شيء
قد ينجح عزيز اللبار في الحصول على تزكية الحزب، وقد يملك تجربة برلمانية وحضوراً اقتصادياً وتنظيمياً، وقد يدخل السباق بثقة كبيرة.
لكن كل ذلك لا يضمن مقعداً.
فالناخب الفاسي هو الذي سيقرر.
وسيكون السؤال الحقيقي يوم الاقتراع بسيطاً وقاسياً في الوقت نفسه:
هل يرى الناخب في عزيز اللبار الرجل الذي يستحق ولاية جديدة، أم أن فاس الجنوبية تبحث هذه المرة عن وجه سياسي جديد؟
هنا تحديداً تنتهي الحسابات الحزبية، وتسقط رهانات المقربين، وتبدأ الكلمة الفصل لصندوق الاقتراع.
ولذلك فإن معركة اللبار في فاس الجنوبية قد لا تكون معركة الحفاظ على مقعد فقط، بل قد تكون اختباراً حقيقياً لقدرته على تحويل النفوذ السياسي والاقتصادي والتجربة البرلمانية إلى ثقة شعبية متجددة.
وفي انتخابات لا تعترف بالأسماء الكبيرة إلا بقدر ما تعترف بأصوات الناخبين، ستظل القاعدة الأهم واحدة:
التزكية تمنحك حق خوض المعركة… أما المقعد فيمنحه الصندوق.

التعليقات مغلقة.