أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

مستشفى ابن النفيس بمراكش يحتفي بالصحة النفسية

المصطفى الوادي

حتفى مستشفى ابن النفيس للأمراض النفسية بمراكش، التابع للمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس، باليوم العالمي للصحة النفسية، من خلال تنظيم تظاهرة علمية وإنسانية تحت عنوان «أيام الصحة النفسية: علم ورفاه وإبداع»، وذلك يومي 28 و29 أكتوبر 2026، تحت شعار «تجارب معاشة مسموعة، أصوات حقيقية، تغيير حقيقي».

ونظم هذه التظاهرة مركز العلاج النفسي النهاري «النسيم»، بشراكة مع عدد من الجمعيات والهيئات، من بينها جمعية رفيق لذوي الاحتياجات الخاصة، وجمعية هيلانة، وجمعية النجوم للثقافة والفن، وجمعية تافزة، إلى جانب جمعية شمس ومختبر IBERMA.

وشكلت هذه المبادرة مناسبة للجمع بين النقاش العلمي والأنشطة الفنية والترفيهية، بهدف تسليط الضوء على أهمية المقاربة الإنسانية في التعامل مع الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، وتعزيز فرص تأهيلهم ومواكبتهم وإدماجهم داخل محيطهم الأسري والاجتماعي والمهني.

ورشات فنية وأنشطة ترفيهية لتعزيز الثقة بالنفس

وتضمن برنامج اليوم الأول، الأربعاء 28 أكتوبر، مجموعة من الورشات والأنشطة التفاعلية، استهلت بمسيرة للمشي من أجل الصحة النفسية، بمشاركة عدد من نزلاء المستشفى والأطر الطبية والتمريضية، في مبادرة تروم التحسيس بأهمية النشاط البدني في تعزيز التوازن النفسي.

كما شهدت التظاهرة تنظيم ورشات في الفن التشكيلي، بمشاركة الفنانين زهرة الحنصالي ومحمد الرجفي وآخرين، إلى جانب ورشة لفن الخزف وصناعة الأواني الخزفية، أشرفت عليها جمعية هيلانة بتنسيق مع مختصين في المجال الحرفي.

وشمل البرنامج كذلك ورشة للتعرف على المشاعر وتدبيرها، أطرّتها الأستاذتان الفاهيري والكرومي، بهدف مساعدة المشاركين على فهم أحاسيسهم والتعبير عنها والتعامل معها بطريقة سليمة.

وفي السياق ذاته، نظمت جمعية شمس معرضا فنيا ببهو مركز العلاج النفسي النهاري «النسيم»، عرضت خلاله مجموعة من الأعمال واللوحات التشكيلية، من بينها أعمال للفنان الراحل عباس صلادي، الذي تحظى تجربته الفنية باهتمام واسع.

وشكل المعرض فرصة لإبراز المواهب والقدرات الإبداعية للمرضى، وتشجيعهم على التعبير عن ذواتهم والتفاعل مع محيطهم، بعيدا عن الصور النمطية المرتبطة بالمرض النفسي.

واختتمت أنشطة اليوم الأول بوصلات فنية قدمها كورال موظفي مستشفى ابن النفيس، في مبادرة عكست انخراط الأطر العاملة بالمؤسسة في توظيف الفن والترفيه كوسيلتين للمواكبة النفسية وتعزيز الثقة بالنفس، وفتح آفاق أمام المرضى لصقل مواهبهم والاستعداد للعودة إلى الحياة الاجتماعية.

ندوة علمية تناقش الفهم والمواكبة والإدماج

أما اليوم الثاني، الخميس 29 أكتوبر، فخصص لندوة علمية تحت عنوان «فهم، مواكبة ثم إدماج»، بمشاركة أساتذة جامعيين وأطباء مختصين وأطر صحية وتمريضية، إلى جانب ممثلين عن إدارة المستشفى ورئيس جامعة القاضي عياض، الدكتور بلعيد بوكادير، وأسر أطفال يعانون من اضطرابات نفسية أو إعاقات مختلفة، فضلا عن عدد من المهتمين بالشأن الصحي والاجتماعي.

وتوزعت المداخلات على ثلاث جلسات علمية، تناولت قضايا التواصل الطبي، والتحولات النفسية خلال مرحلة المراهقة، والتجارب المعاشة، والتأهيل الاجتماعي، فضلا عن الابتكار الرقمي في مجال الصحة النفسية.

وركزت الجلسة الأولى، التي حملت عنوان «رؤى متقاطعة حول الصحة النفسية»، على أهمية التواصل بين الطبيب والمريض في تحسين التشخيص والعلاج وبناء الثقة، من خلال مداخلة الأستاذة إيمان عدلي.

كما تناولت الأستاذة عائشة الكويد موضوع المراهقة باعتبارها مرحلة تتسم بتحولات هرمونية وجسدية ونفسية وفكرية، مؤكدة أهمية مواكبة المراهقين ومساعدتهم على بناء شخصية متوازنة، مع التمييز بين التغيرات الطبيعية المرتبطة بهذه المرحلة والأعراض التي قد تستدعي تدخلا متخصصا.

شهادات إنسانية تبرز أهمية التأهيل والإدماج

وتميزت الجلسة الثانية بطابعها الإنساني، حيث انتقل النقاش من الجوانب العلمية والنظرية إلى الاستماع لشهادات أشخاص عاشوا تجربة المرض النفسي، وتمكنوا من تجاوز مراحل صعبة واستعادة حياتهم الطبيعية وممارسة أنشطتهم المهنية والاجتماعية.

وأبرزت هذه الشهادات أهمية العلاج والمواكبة والدعم الأسري والاجتماعي في مسار التعافي، كما سلطت الضوء على التحديات التي تواجه الأشخاص المعنيين وأسرهم.

وشهدت الجلسة أيضا مداخلات لأبوين لطفلين يعانيان من إعاقات جسدية أو ذهنية، تناولا من خلالها الصعوبات المرتبطة بولوج الأطفال إلى المؤسسات التعليمية والاستفادة من الخدمات والمرافق الضرورية، مؤكدين أهمية التوجيه والمواكبة التربوية في اختيار المسارات المناسبة للتعامل مع هذه الحالات.

من جهته، قدم عبد الله القشتالي عرضا حول تجربته بمركز التأهيل والتكوين المهني بقبور الشهداء، مستعرضا الجهود الرامية إلى تأهيل الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية أو جسدية، ومساعدتهم على اكتساب المهارات الضرورية لتحقيق استقلاليتهم وتعزيز اندماجهم في المجتمع.

وشدد المتدخل على أن تحقيق الإدماج الاجتماعي لا يمكن أن يكون مسؤولية مؤسسة واحدة، بل يتطلب تنسيق جهود مختلف المؤسسات والقطاعات المعنية لضمان مواكبة مستمرة وفعالة.

الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة النفسية

وخصصت الجلسة الثالثة لموضوع الابتكار والتأهيل في مجال الصحة النفسية، مع التركيز على التحولات الرقمية وإمكانات توظيف التكنولوجيا الحديثة في مواكبة المرضى وتطوير الخدمات الصحية.

وفي هذا الإطار، قدم الأستاذ محمد برغلوت مداخلة حول الصحة النفسية في عصر الرقمنة، استعرض خلالها إمكانات وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيات الحديثة في التوعية والتوجيه وتسهيل التواصل مع المرضى، محذرا في المقابل من مخاطر المعلومات المغلوطة والنصائح التي يقدمها أشخاص غير متخصصين.

كما نبه إلى الآثار المحتملة للاستعمال المفرط للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية، خاصة لدى فئة الشباب والأطفال، داعيا إلى ترسيخ ثقافة الاستعمال المتوازن والواعي للتكنولوجيا.

ومن أبرز المحطات التي شهدتها الندوة تقديم مشروع منصة رقمية تحمل اسم «NAFIS IA»، من طرف تقني المعلوميات بمستشفى ابن النفيس عثمان الجابري، وهي مبادرة يعمل المستشفى على إحداثها بهدف تعزيز التواصل مع المرضى وتمكينهم من الوصول إلى معلومات طبية دقيقة وموثوقة.

ويرتكز المشروع على توظيف الذكاء الاصطناعي في توفير المعلومات الطبية ومواكبة المرضى، مع مراعاة سرية المعطيات الشخصية والصحية وحمايتها من التداول خارج الأطر المهنية المسموح بها.

ولا يزال المشروع في انتظار المصادقة عليه من طرف الجهات المختصة، قبل إدراجه على الخادم الإلكتروني الخاص بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش.

الأنشطة التأهيلية.. العلاج يتجاوز الأدوية والاستشارات

واختتمت المداخلات العلمية بعرض قدمته السيدتان أسماء عبيدي وهند بنحليمة، من هيئة التمريض، حول الأنشطة التأهيلية في الطب النفسي، انطلاقا من تجربة مصلحة «النرجس».

وأبرزت المتدخلتان أهمية الأنشطة الموازية للعلاج الطبي والنفسي في مساعدة المرضى على استعادة التوازن النفسي وتنمية قدراتهم التعبيرية والاجتماعية وتعزيز الثقة بالنفس.

كما أوضحتا أن التكفل بالأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية لا ينبغي أن يقتصر على الأدوية والاستشارات الطبية، بل يستدعي اعتماد أنشطة متنوعة تتيح لهم التعبير عن مشاعرهم وتجاربهم، خصوصا عندما يجدون صعوبة في التواصل بالكلام.

وفي هذا السياق، تم استعراض نماذج من الأنشطة التي تشرف عليها الأطر التمريضية بمصلحة النرجس، من قبيل التزيين والحلاقة والنقش بالحناء، باعتبارها ممارسات ترفيهية وتأهيلية تساهم في تحسين الحالة النفسية وتعزيز التفاعل والتواصل الاجتماعي.

واختتمت أشغال الندوة بتوزيع شواهد تقديرية على المتدخلين وأعضاء اللجنة المنظمة، تقديرا لمساهماتهم ومجهوداتهم في إنجاح هذه التظاهرة.

الصحة النفسية مسؤولية مجتمعية مشتركة

وعكست مختلف فقرات «أيام الصحة النفسية: علم ورفاه وإبداع» أهمية الانتقال من النظرة التقليدية للمرض النفسي، باعتباره حالة تستوجب العلاج الطبي فقط، إلى مقاربة شمولية تجعل من التأهيل النفسي والاجتماعي والإدماج الأسري والمهني عناصر أساسية في مسار التعافي.

كما أكدت الشهادات والتجارب المعروضة أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية يمتلكون مواهب وقدرات وطموحات، ويحتاجون إلى الرعاية والتفهم والفرص المناسبة لاستعادة مكانتهم داخل المجتمع.

وتبرز هذه المبادرة أهمية إشراك الأسر والمؤسسات التعليمية والاجتماعية والإعلامية في جهود التوعية ومحاربة الصور النمطية والتمييز المرتبطين بالاضطرابات النفسية.

فالصحة النفسية ليست مسؤولية المستشفى والطبيب وحدهما، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة، تتطلب تضافر الجهود من أجل توفير بيئة داعمة تضمن العلاج والتأهيل والكرامة والإدماج.

التعليقات مغلقة.