لم تعد الحمامات التقليدية داخل الأحياء الشعبية بمدينة مراكش كما كانت في الماضي. فمع توالي السنوات، بدأت ملامح هذا الموروث الشعبي العريق تتغير بشكل لافت، بعدما تحولت مجموعة من الحمامات التقليدية إلى فضاءات “صونا” وخدمات عصرية، والبعض الآخر ضل مقفلة داخل المدينة القديمة في مشهد يعتبره كثيرون بداية اندثار ثقافة شعبية التي ظلت مرتبطة بالهوية المراكشية لعقود طويلة.
الحمام البلدي كان دائماً أكثر من مجرد مكان للاستحمام، بل فضاءً اجتماعياً يجمع أبناء الحي، وطقساً أسبوعياً يحمل خصوصية مغربية خالصة، حيث ارتبطت به مهنة “الكسّال” وما تحمله من رمزية داخل الثقافة الشعبية. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المدينة دفعت عدداً من أصحاب الحمامات إلى تغيير طبيعة نشاطهم، عبر إدخال “الصونا” والتجهيزات الحديثة لاستقطاب فئات جديدة من الزبائن ومجاراة متطلبات السوق.
هذا التحول لم يمر دون انتقادات، إذ يرى مهتمون بالشأن الثقافي أن بعض الحمامات فقدت هويتها الأصلية بالكامل، بعدما اختفت الأجواء التقليدية التي كانت تميزها، لتحل محلها خدمات عصرية لا تعكس روح الأحياء الشعبية ولا تاريخ المدينة العتيقة.
كما يؤكد عدد من المهنيين أن ارتفاع تكاليف الماء والكهرباء والحطب، إلى جانب تراجع الإقبال على الحمامات الشعبية، في ظل غياب أي دعم حقيقي لهذا القطاع التقليدي.
يحذر متتبعون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اختفاء “الحمام البلدي” بصيغته المعروفة داخل أحياء مراكش، ما يعني ضياع جزء من الذاكرة الجماعية للمدينة، ومهنة شعبية ارتبطت بحياة المراكشيين جيلاً بعد جيل.
وبين من يعتبر “الصونا” شكلاً من أشكال التطور ومواكبة العصر، ومن يراها تهديداً مباشراً للتراث الشعبي، يبقى السؤال مطروحاً:
هل تنجح مراكش في الحفاظ على روح حماماتها التقليدية، أم أن “الكسّال” سيصبح مجرد حكاية من زمن المدينة القديمة؟

السابق بوست
التعليقات مغلقة.