25 مليار درهم لتنمية المجالات الترابية.. رهان حكومي على تقليص الفوارق وتحسين ظروف عيش المواطنين
"جريدة أصوات" الرباط
يطرح تخصيص غلاف مالي بقيمة 25 مليار درهم لبرنامج التنمية المندمجة أسئلة جوهرية حول طبيعة الأولويات الحكومية، ومدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للحاجيات الحقيقية للمواطنين خصوصا بالمناطق التي تعاني من ضعف التجهيزات الأساسية وتفاوت فرص الاستفادة من الخدمات العمومية.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها تدبير الشأن العام بالمغرب وما يرافقها من مطالب متزايدة بتحقيق العدالة المجالية وتحسين البنيات التحتية وتوفير شروط العيش الكريم بما يجعل التنمية المحلية معياراً أساسيا لقياس نجاعة الأداء الحكومي.

ويظل الإعلان عن غلاف مالي بهذا الحجم مدخلا لنقاش أوسع بشأن كيفية توزيع الموارد وطبيعة المشاريع التي ستستفيد من التمويل، ومدى اعتماد معايير واضحة تضمن توجيه الاستثمارات نحو المناطق والفئات الأكثر حاجة.
25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية.. هل تنجح الحكومة في تقليص الفوارق المجالية؟
أعاد تخصيص اعتمادات مالية بقيمة 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة النقاش حول نجاعة السياسات العمومية وقدرة الاستثمار العمومي على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين خصوصا بالمناطق التي لا تزال تعاني من الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
ويأتي هذا التوجه في إطار التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 وفق ما أوردته تقارير إعلامية منشورة يوم 17 أكتوبر 2026 بما يعكس أهمية التنمية الترابية ضمن الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.
التنمية الترابية.. رهان يتجاوز حجم الاعتمادات المالية
لا تقتصر أهمية هذا الغلاف المالي على قيمته الإجمالية، بل ترتبط أساسا بطبيعة المشاريع التي ستستفيد منه، ومدى قدرتها على الاستجابة للحاجيات الفعلية للسكان، سواء تعلق الأمر بتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية أو تطوير البنيات التحتية أو تعزيز فرص الشغل والاستثمار على المستوى المحلي.
ويظل التحدي الأساسي هو الانتقال من منطق رصد الميزانيات إلى منطق تحقيق النتائج بما يضمن أن تتحول الاعتمادات المالية إلى مشاريع ملموسة تنعكس إيجابا على الحياة اليومية للمواطنين وتحد من الفوارق بين المجالات الحضرية والقروية.
وفي هذا السياق تكتسي المقاربة القائمة على تشخيص الحاجيات المحلية وإشراك الفاعلين الترابيين أهمية خاصة بالنظر إلى اختلاف الأولويات بين الجهات والأقاليم والجماعات وما يفرضه ذلك من ضرورة اعتماد حلول تستجيب للخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة.
25 مليار درهم.. ما موقع الحكامة والشفافية؟
إن حجم الموارد المالية المخصصة لهذه البرامج يطرح، في المقابل أسئلة مرتبطة بكيفية تدبير المشاريع ومعايير اختيار المناطق المستفيدة، وآليات مراقبة تنفيذ الصفقات العمومية ومدى احترام الآجال المحددة لإنجاز الأوراش.
فنجاح أي برنامج تنموي لا يقاس فقط بالمبالغ المرصودة له وإنما كذلك بمدى احترام قواعد الحكامة الجيدة وشفافية تدبير المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان تكافؤ الفرص أمام المقاولات والفاعلين الاقتصاديين.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية توفير معطيات واضحة حول المشاريع المبرمجة وتكلفتها ومراحل تنفيذها ونسب تقدم الأشغال إلى جانب إخضاعها للتقييم والمراقبة بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويحد من مخاطر التعثر وضعف النجاعة.
العدالة المجالية.. الاختبار الحقيقي للسياسات العمومية
تظل العدالة المجالية من أبرز الرهانات المطروحة أمام السياسات التنموية خصوصا في المناطق التي تواجه صعوبات في الولوج إلى المرافق الصحية والمؤسسات التعليمية والطرق والماء الصالح للشرب وفرص الشغل.
ولا يمكن تحقيق هذه العدالة من خلال توزيع متساوٍ للاعتمادات المالية بين جميع المناطق دون مراعاة أوضاعها بل يتطلب الأمر اعتماد معايير موضوعية تأخذ بعين الاعتبار مستويات الخصاص والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وحجم الحاجيات الفعلية للسكان.
كما أن التنمية الترابية المندمجة تقتضي تنسيقا فعالا بين مختلف المتدخلين من قطاعات حكومية ومجالس جهوية وجماعات ترابية ومؤسسات عمومية تفاديا لتشتت المشاريع أو تداخل الاختصاصات أو ضعف الالتقائية بين البرامج.
بين الالتزامات الحكومية وانتظارات المواطنين
يأتي تخصيص هذا الغلاف المالي في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن تحسين الخدمات العمومية وتوسيع فرص الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
غير أن الرهان لا يتوقف عند الإعلان عن الميزانيات أو إطلاق البرامج بل يمتد إلى قدرة المؤسسات المعنية على تحويل الالتزامات إلى نتائج قابلة للقياس وفق جداول زمنية واضحة ومؤشرات دقيقة لتقييم الأداء.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي تعزيز التواصل العمومي بشأن المشاريع المبرمجة، وتمكين المواطنين من تتبع تقدمها، وإتاحة المعلومات المتعلقة بتكاليفها ومصادر تمويلها والجهات المكلفة بتنفيذها.
كما تظل الصحافة المهنية مطالبة بمواكبة هذا الورش التنموي من خلال الرصد والتحليل والتحقق من المعطيات وتسليط الضوء على مكامن النجاح والاختلال بعيدا عن التهويل أو الأحكام المسبقة.
الخلاصة: العبرة بما سيتحقق على أرض الواقع
إن تخصيص 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة يمثل رهانا ماليا وتنمويا مهما غير أن أثره الفعلي سيظل مرتبطا بجودة التخطيط، ونجاعة التنفيذ وشفافية التدبير ومدى استجابة المشاريع للحاجيات الحقيقية للمواطنين.
فالتنمية لا تقاس بحجم الأموال المرصودة وحده بل بقدرتها على تحسين ظروف العيش، وتقليص الفوارق وخلق فرص الشغل وضمان توزيع أكثر إنصافا لثمار النمو الاقتصادي.
ويبقى الاختبار الحقيقي لهذه البرامج هو ما ستحدثه من تغيير ملموس في حياة المواطنين خصوصا في المناطق التي تنتظر منذ سنوات حلولاً عملية لمشكلات التنمية والتجهيزات والخدمات الأساسية.
أصوات ميديا – الرباط

التعليقات مغلقة.