أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تأنيث الهجرة غير النظامية.. الدوافع والمخاطر

الحبيب عكي

من المشاهد الصادمة التي فقأت عين الجميع خلال الانفجار المجالي الأخير، كما سماه أحدهم، والمجسد في موسم الهجرة غير النظامية إلى المعبر الحدودي لمدينة سبتة المغربية المحتلة في الشمال، لقد كانت هجرة جماعية عبر البحر سباحة، هجرة بعشرات الآلاف (49 ألف) من الشباب حجوا إلى الحدود من مناطق شتى خاصة مدن وقرى الشمال، هجرة تداعت فيها الأفواج تلو الأفواج تركب هول الأمواج تلو الأمواج، لمجرد اهتبال الفرصة وعدوى التقليد والمحاكاة كما يقول “غابرييل تارد”، وأصبحت الهجرة على حد تعبير السوسيولوجي المغربي “المصطفى المريزق” حقا للجميع ولكن بعيدا عن كيف ولماذا إلى من يستطيع الهجرة ومن يجرأ عليها؟، هجرة شوهدت فيها النساء بكثرة إلى جانب الرجال، الصغار القاصرين إلى جانب الكبار الراشدين، أسر بالأبناء والبنات، الطلبة إلى جانب التلاميذ، والعاملون إلى جانب المعطلين، الأبطال الرياضيون إلى جانب ذوي الاحتياجات المقعدون، وكلها فئات اجتماعية تستحق دراسات متعددة خاصة بالنسبة لفئات النساء والأطفال، إلا أن هذه المقالة لن تناقش لا حق الهجرة من عدمه لأي كان ولأي سبب أو وجهة أو مدة كانت، بقدر ما ستقتصر على فئة النساء والفتيات اللواتي لن نبالغ إذا قلنا أنهن عملن بنجاح على تأنيث الظاهرة.

ترى، كيف ولماذا؟، ما هي الدواعي والانعكاسات؟، وما هي الحلول الممكنة تقديمها لمواجهة هذه المعضلة الاجتماعية إذا صدقنا أنها كذلك بما تنسفه من بنيات ومؤسسات وقيم معايير وعقليات المعهود من العيش المشترك بين المغاربة، وبما ستفتحه على المجهول من أبواب اللايقين وتوزيع المخاطر المؤكدة على الجميع؟.
1)دواعي تأنيث الهجرة غير النظامية:
وبعيدا عن العديد من الأسئلة المشروعة والمشرعة على مصراعيها، من الأسباب والمسببات، والجهات والمؤامرات، والسياسات والصراعات، والتوقيت والشبكات…، نتساءل فقط عن حجم النساء والفتيات في هذه الظاهرة؟،

كيف دخلن بحماسة جلية إلى هذه التسونامي الهجري الهادر وبأية عقلية مغامرة؟، هل يزداد تواجدهن في مثل هذا الحلم الأمل أو الوهم الألم أم يتناقص؟، ما انعكاسات ذلك عليهن وعلى وظائفهن في مؤسسات الأسرة  والمجتمع، هل ستقلب هذه الوظائف مع إصرارهن واستمرارهن؟، ألا يمكن حمايتهن عند الضرورة ببدائل عقلانية أو
حتى بهجرات نظامية قانونية تحمي حقوقهن وكرامتهن، ومن خلالهن حقوق وكرامة المجتمع؟. أين الجمعيات الحقوقية النسوية وجمعيات المهجرات من كل هذا وضجيج الأرقام يتحدث على أن نسبة النساء في هجرات 2010 وصلت إلى حدود 20%، وارتفعت في هجرات 2023 إلى نسبة 38%، وأن60% من النساء التي تم توقيفهن تلك السنة أقل من 30 سنة، بينما40% منهن أمهات. هذا وتتعدد عوامل ودوافع النساء لخوض غمار الهجرة نذكر منها هذه الستة الأساسية وهي:
1- إغلاق مسالك الهجرة بالنسبة للرجال: عبر المراقبة البحرية الصارمة والدائمة وعبر اتفاقيات منع الهجرة إلى أوروبا وبشراكة معها، مما صعب المغامرة على الرجال وبدأت النساء تأخذن مكانهن فيها، خاصة أن الأمور بالنسبة إليهن مختلفة ومن جوانب عدة.
2- الطلب الأوروبي على اليد العاملة النسائية: كعاملات منازل وفي الفلاحة ورعاية المسنين التي تحتاج منها أوروبا إلى 2 مليون راعية بحلول 2030. ناهيك عن أن أمر مثل هذه الهجرة غير النظامية يتم أحيانا عبر الزواج ولو كان “صوريا ” من أجل الأوراق ليس إلا.3- سياسة تهميش النساء في المغرب: بما يسود وسطهن من ظواهر البطالة (60% في البوادي) والعنوسة (8 مليون) والطلاق (65 ألف حالة/2024) والعنف (79 ألف حالة مصرح بها/2025) والأمية (إلى 51% في صفوف بعض الفئات) والأمهات العازبات حسب “إنصاف” حوالي(%7.5 في المدن و 2.4% في البوادي وبحوالي 150 طفل
متخلى عنه يوميا)..، وغير ذلك مما لا يعمل إلا على تأنيث الفقر والهشاشة واليوم الهجرة غير النظامية ومخاطرها.
4- سهولة اندماج النساء في الغرب: بكون بعضهن يشتغلن في المنازل والضيعات ولا يظهرن في الشارع، مما يجعلهن بعيدات عن أعين المراقبة والأمن ويشجع الأسر على إرسال بناتهن بل إرسال الأمهات أحيانا (عاملات
فلاحيات)؟.
5- دور الشبكات الإجرامية للإتجار في البشر: التي تستهدف النساء والفتيات ب(70%) وتعدهن بشتى الوعود الوردية الكاذبة كالزواج والعمل ولم الشمل العائلي..، لا يجدن منها إلا أنفسن في سوق العبودية والاتجار بالبشر وبين مخالب عصابات الدعارة والمخدرات والإرهاب، وإن عد ذلك عند مهاجرات اليأس والاضطرار عملا على كل حال.
6- التفكك الأسري وغياب التضامن: بعد تراجع التضامن الآلي التقليدي وعجز التضامن العضوي العصري،وهو في نظري من أقوى العوامل لأن الحياة كانت دائما محفوفة بالمخاطر، ولكن قيم التماسك الأسري والتضامن بين أفرادها وأقاربها، كان دائما يعالج ما يقع في الأسرة من الخصاص والاختلالات ويؤازر أفرادها حتى يتجاوزوا محنهم،
عكس ثقافة اليوم ثقافة الفردانية وتطلع كل فرد للانشغال بنفسه وفقط؟.
2)أشكال تأنيث الهجرة غير النظامية:
إن تأنيث الهجرة يتخذ اليوم أشكالا مختلفة منها مثلا:
1- شكل العاملات الفلاحيات: ويقال أنهن يجلبن من سوس ودكالة والغرب.. في حدود 15 ألف حالة سنويا من العالم القروي متزوجات ولديهن أطفال، في موسم الفراولة في إسبانيا ويستفدن من عقود عمل رسمية موسمية ولمدة 6 أشهر، بعدها يضطرن للعودة إلى المغرب أو الإقامة هناك في اسبانيا بطرق غير شرعية والعمل في المنازل والمقاهي أو أعمال أخرى، ورغم ما يعشنه من هشاشة ومعاناة الغربة وفراق الأسرة وترك الزوج والأبناء..، فإنهن يستفدن من ىدخل شهري يقدر ب 11000 درهم، بالإضافة إلى سكن مجاني ما يمثل بالنسبة لهن ثروة، قد تدوم لأربع سنوات قابلة
للتجديد.- رهط “الأمهات العازبات”: ويقال أنه يقدرن ب 25 إلى 30 ألف حالة سنويا، ويأتين من كل جهة بعدما لحقهن من وصمة عار حمل خارج مؤسسة الزواج وما يعشنه من طرد أو هروب من الأسرة وبطالة وفقر وأوضاع مزرية بعد الوضع وطفل على العاتق، مما يجعلهن فريسة سهلة بدعوى انقاذ نفسها والبحث عن مستقبل الولد، وفي
غياب مساعدة اجتماعية مباشرة ومراكز الدعم النفسي والإيواء أو حتى تسهيل وثائق الإبن، فإن الضحية تضع نفسهافريسة بين يدي الشبكات يفعلن فيها ما يشئن بدعوى عار الأنثى وغياب الوثائق. 3- شبكات الاتجار بالبشر: و 70% من ضحاياها عالميا نساء وفتيات من سن 16 إلى 28 سنة، يقال معظمهن من بني ملال، فاس، خنيفرة، طنجة..، تقدم لهن وعود بالزواج والعمل لا يجدن منه غير اصطيادهن ونقلهن
واستغلالهن في الطريق وفي المأوي والملاهي والحقول والمخيمات.. عبر الشبكات والعصابات بالرضا والإغراء أو
بالإكراه أصناف أخرى: كالقاصرات اللواتي يخرجن من البيت في الشمال الشرقي بعد عطب أخلاقي، ويردن تغيير البيئة والالتحاق بالعائلة في أوروبا حتى ينسين وينسون، أو المتعلمات من الرباط والبيضاء والحاملات للشواهد الجامعية والديبلومات المهنية والحالمات بالاستقلال الذاتي والحرية الشخصية فتكون وجهتهن في ذلك نحو فرنسا وكندا وألمانيا وإيطاليا والخليج بطرق غير نظامية، ولو وجد بعضهن أنفسهن بعد ذلك في أعمال غير نظيفة في الخليج مثلا.
3)مخاطر تأنيث الهجرة غير النظامية:
من أهم إقرارات سوسيولوجيا البيئة والمخاطر لرائدها “Ulrich Beck” أن العالم الحداثي الرأسمالي الصناعي لم يعد اليوم يوزع الثروة والرفاه بين الناس بقدر ما أصبح يغرقهم بالمخاطر ويعمل على دمقرطتها يعني إذاقة الجميع منها، دول الجنوب منها كدول الشمال و قبلها، فالدخل دليل اضطراد على التلوث ومشاكله الصحية والسيارة قرينة الاحتباس الحراري ومشاكله البيئية.. وهكذا.

1- مخاطر على صاحبها/ صاحبتها: وتنهشه من كل النواحي، جسديا (خطر الموت.. غياب الحماية.. التحرش والاغتصاب..)، وقانونيا (اعتقال.. ترحيل.. سجن وغرامات..)، اقتصاديا (ساعات عمل طوال.. وأجور أقل.. ظروف
أقسى.. أزمة سكن..)، نفسيا (خوف دائم.. اغتراب.. نصب وابتزاز.. عزلة واكتئاب.. قطع مع العائلة وربما الأبناء..)،

واجتماعيا (بدون أوراق.. عنصرية.. حرمان من الخدمات.. عدم القدرة على الزواج أو على السفر.. استغلال جنسي
خاصة بالنسبة للإناث..).- مخاطر على بلد الطرد والارسال: نزيف الكفاءات والسواعد، تفكك أسري، تبييض صورة الناجحات من المهاجرات على حساب الناجحات من المستقرات، الضغط الديبلوماسي ولو بالإغراء أو بالإكراه مما قد يجعل من البلد
دركيا على حدود الغير وشرطيا لاستقراره، ولا يستطيع بعد ذلك الانفكاك من فتاة ما يلف ذلك من منح مالية
ومساعدات؟.
3- مخاطر على بلد الجذب والاستقبال: كثافة الطلب على الشغل مما يخلق اقتصادا موازيا في الخفاء لا يمكن ضبطه، الضغط على الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية وغيرها مما يصعب توفيره، انتشار الجريمة والمشاكل الأمنية وعصابات تزوير الوثائق، التوتر الاجتماعي وصعود تيارات الميز العنصري وخطاب الكراهية والأحزاب المتطرفة والشوفينية..
مخاطر على المجتمع الدولي: فوضى خرق القانون، ضرب استقرار الشعوب وحقوق المواطن، اضطراب
العلاقات الدولية، حروب مجانية مع الشبكات والعصابات، ممارسات غير قانونية وغير إنسانية، متاهات خفر السواحل والترحيل والإعادة والترحيل.. دون طائل؟.

4)بعض الحلول والمقترحات لهذه المعضلة:
وأكيد أن هذه المشاهد البانورامية السمجة طفيلية على عيشنا الطيب الكريم، وتأبى العقول السليمة والأذواق الفطرية العفيفة إلا معالجتها وعدم الاستمرار في انحرافاتها ومتاهاتها ورهاناتها غير المؤكدة وغير الموثوقة على حد تعبير “Anthony Giddens” في قوله: “الهجرة غير النظامية رهان على قرار غير مؤكد وغير موثوق”، ولكن الانفكاك من مخاطره لا يتم بمجرد النية الطيبة و الفطرة الخيرية، بل لا بد من طرح أسئلة صميمة والاجابة عنها
أيضا بأجوبة تكون كذلك، ومن ذلك:
1- ماذا أعددنا لدعم كرامة النساء والرجال والشباب في المغرب؟: إذا كانت 15 ألف شركة قد أفلست وأغلقت أبوابها وسرحت عمالها، فأين ضمان حق الشغل عبر الكائن والممكن من الوظائف الرسمية والشركات والمقاولات الخاصة والجمعيات التطوعية والتعاونيات التضامنية والمبادرات الاستثمارية الذاتية وغير ذلك من أوجه الاقتصاد الاجتماعي التضامني، وفرص العمل عبر الذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية عن بعد، وقد صنع منها الغرب المنتج إلى اليوم أزيد من 90 مليون منصب شغل، في حين لازلنا نحن المستهلكون لا نصنع منها غير مجرد مليون روتين يومي وحكاية تافهة أو إشاعة مغرضة من قبيل هذه التي كادت تؤدي بكل شباب وشابات المغرب بل ورضعه وشيوخه
في بحر سبتي لا تظهر فيه غير ظلمات العبور نحو القبور ولا عثور فيه للأمل أو حتى بصيص منه لا عثور؟.
2- ماذا أعددنا لحماية نسائنا وعبرهن حماية كلنا حماية شاملة؟: حماية قانونية من العنف (قانون 27.14) وهل يمكن لهذه الحماية أن تطال “الأمهات العازبات” أو تقيهن من الوقوع فيما يقعن فيه، بالتوعية الإيمانية وتربية مؤسساتية تضمن لهن الشغل والحماية والكرامة والأمل شعارها: ( الحل ماشي في الهدر المدرسي وماشي في (التشمكير)، ماشي في أحلام الهجرة ولا أوهام المواقع.. حضي راسك.. حضي أولادك.. حضي بلادك راه الخطر كبي في الواقع).
3- هل نستطيع توفير عقود عمل قانونية للنساء مع دول أخرى: وليس مع إسبانيا وحدها وفي مجالات أخرى وليس الفلاحة وحدها؟، وقبل هذا وذاك أين نساؤنا من الانتاجات المنزلية الثرية والمتنوعة والتي عيشت أسرا وأسرا، أجيالا وأجيالا عبر تاريخنا المشرق، لماذا تراجع تثمينها ورخص تسويقها وتوقف إعدادها؟، لماذا كل طموحنا أن نعيش بالآلات والروبوتات كما يعيش بها الغرب دون أصالة قيم ولا عبق تراث، هل فعلا سيسعدنا الهروب من ذواتنا وتاريخنا؟.
4- ماذا نستطيع أن نفعل مع أوروبا الشراكة ولا مع شبكاتها الاجرامية: هل نستطيع توفير هجرة نظامية قانونية؟، أو حتى إذا غلبنا على أمرنا وفضحنا رهطنا الذي لا يشبع ولا يسمع، هل نستطيع ضمان مخيمات آدمية وإقامات إنسانية له؟، هل نضمن مساعدة الضحايا بدل ترحيلهم وتغريمهم وعودتهم وترحيلهم وتغريمهم في دوامة مأساوية لا تنتهين، فقط، لأن أهل الشمال لا يدركون ولا يريدون أن يدركوا أن مستقبل الإنسانية مستقبل مشترك، يدعون أن عولمة العالم جعلت منه قرية مصغرة، و لا يزالون يغلقون الحدود في وجه أبنائه من الجنوب؟، ويسرقون موارد هذا الجنوب المادية واليوم البشرية ولا يريدون أن يأكل أصحابه إلا من عولمة المخاطر وكوارث التغيرات المناخية كالاحتباس الحراري والاشعاع النووي وصناعات التلوث، الذي يصدرونه إلينا ولا يستطيعون مسكه في حدودهم التي تنتجه؟.

أين المشاريع التنموية النظيفة لدول الشمال في دول الجنوب؟، أين نصيبهم من الشركات الغربية العابرة للقارات وعائداتها تفوق ميزانيات الدول ومن أموال تلك الشعوب؟، يظهر أن الهجرة واقع متفاقم في واد ومراكز البحث فيها والرصد لتطوراتها في واد آخر هادىء، كما يظهر من الهجرة أنها قسم الكون الذي أقسم لئن افتقر الجنوب حتى يفتقرن الشمال، ولئن جاع الجنوب حتى يجوعن الشمال والشرق والغرب على السواء؟.
5- ومتى سنثق في أنفسنا ونؤمن بأوطاننا ونحسم في اختياراتنا وبدائلنا: قلنا مثلا، إن المهاجرة الفلاحية تتخلى عن زوجها وأبنائها وقد يسبب لها طول الغياب وتكراره في تفكك أسرتها وانحلال عقد زواجها، لتنضاف إلى نادي المطلقات أو المتزوجات صوريا، فهل نستطيع إقناع هذه المرأة بالعدول عن هذه الهجرة الدورية الضارة؟، وإذا حدث، فمن أين لها بمكاسبها المادية والتي قد تصل إلى 5.5 مليون سنتيم سنويا، بالإضافة إلى السكن والإقامة والتطبيب والخدمات والتجارب مما يعد عندها بثروة الوجود وتحقيق الذات؟. وقلنا أن المهاجرة الفلاحية وغير الفلاحية
في سكنها الجماعي والوظيفي تفقد خصوصيتها وحياتها الحميمية الطبيعية وقد تتعرض للتحرش والاغراء والعنف والاغتصاب والنصب والابتزاز ، وتمنعها هشاشتها من أي دفاع ذاتي أو حماية قانونية، فبماذا ستقنع هذه المهاجرة وأولياء أمورها بأن العدول عن هذه المسالك والمطبات لهم امثل وأفضل، وأن العفة والعمل الشريف لا يقاس بكل أموال الدنيا ومتاعها؟، ومن جهة أخرى، من سيتولى إعالة صغيرها وقد أصبح واقعا وكومة من الاحتياجات وآلة من الطلبات؟، أو من سيشغل غيرها بشواهدها وقد أفنت عمرها من أجلها ترجو سندها وانقاذها عند الحاجة والأزمة؟صحيح أن لدينا بدائلنا الرامية إلى عدالة اجتماعية ومجالية أفضل، المغرب الأخضر، المغرب الأزرق، الجهويةالتشاركية المتقدمة، النموذج التنموي الجديد..، لكن أين حكامة ومكتسبات كل هذه البرامج على أرض الواقع؟، ولماذا لا تؤمن فئات بجدواها وهي في بلاد المهجر لا تعمل إلا في مثلها وأقل منها؟، لماذا كل هذا التجاهل وعدم التفاعل مع شكاوي العباد والبلاد من البطالة وغلاء الأسعار وتخلف الخدمات والصحة والتعليم وخنق الحريات والمبادرات وسوء المعاملات؟، لماذا كل هذا التدبير المتخلف للعديد من الخطط التنموية والبرامج الاجتماعية حتى غدا وجودها وعدمها عند الغالبية سواء، الدعم الاجتماعي، التغطية الصحية، برامج فرصة وأوراش ، وكأنها بطبعها الأيديولوجي والفئوي ولدت ميتة لا تنمية مستدامة تنتج ولا أموالا عامة تبقي، بل لا أزمة تحل ولا أمل تعطي، أين دعم اللحوم وسعرها فوق الطاقة الشرائية للمواطن؟ إن طيف الهجرة ممتد من الاختيار إلى الاضطرار، وتجاربها مليئة بالنجاح الباهر كما بالفشل الذريع، وتأنيثها كتذكيرها لكل منهما إيجابيات وسلبيات متعددة، مما يجعل الأمر ترجيحات حسب الأشخاص وحسب الظروف، وكان الله في عون المضطرين والمضطرات، ولكن أليس كثيرا ما يسيء المرء الاختيار، ويقدم غير المقدم على المقدم تقديم الخاص على العام و المفضول على الفاضل والأسوأ على السيء، ولفهم بعض ما جرى ويجري في الموضوع لعلنا نستدعي السوسيولوجي الجزائري “عبد المالك الصياد” صاحب “الغياب المزدوج” والذي يرى أن “فهم الهجرة هو فهم أنها لا تفهم”، بمعنى أنها أعقد مما نتصور، وقد أضاف عنها أيضا أنها اضطرارا وليست اختيارا، وأنها ليست مجرد تنقل أفراد بل تنقل جماعات، هويات وثقافات، أديان ولغات، مما يشكل ضغطا على المهاجر لارتباطه بالعائلة والقبيلة والمجتمع، لا انفكاك له منه إلا أن ينجح، ولكن أنى له ذلك وهو يواجه تمزقا مزدوجا بين بلد الجذب/الاستقبال الذي استقبله كمجرد يد عاملة رخيصة، وأسكنه في حدود قفص مسكن فقير ومعمل غول فتاك، وبشكل مؤقت ريثما تنتهي قدرته على العمل والإنتاج ليطرده ويعيده، إنه نفي اجتماعي للمهاجر الذي لا يستطيع الاندماج في مجتمع لا يراه دائما إلا آخر غريب؟.

وتمزق مع مجتمع الطرد/الارسال، تركه مؤقتا ولكن ما حمل معه من هوية ولغة وثقافة جعلته يرتبط به كمرسل للعملة الصعبة ومأمن للعائلة والقبيلة من الفقر ما دام في بيت الطاعة، ولكن ما أن يعود إلى هذا الموطن المحلي حتى يجده قد رحل هو ذاته ولم يعد ذلك البلد الأصلي الذي انطلق منه بعاداته وتقاليده وأفكاره وتصرفاته، ولا يقبل منه ما جاء به من غيرها؟، إنه تمزق وغياب مزدوج، غياب عن البلدة جسديا وعن المهجر ثقافيا، وبالتالي غياب عن هنا وعن هناك، ، فلا هو استطاع فتح هناك من هنا ولا استطاع تحرير هنا من هناك؟ أضف إلى كل هذا أن “الصياد” وعلى عكس كل المدارس الكلاسيكية في الهجرة حتى مدرسة “شيكاغو” التي جاء 100 سنة بعدها، يرى أنه لفهم ومقاربة الهجرة لابد من فهم ومقاربة مناطق الطرد والارسال كما مناطق الجذب والاستقبال، ما لم يحدث لشباب المغرب الزاحف بالآلاف على “سبتة” هذه الأيام، وكأنهم لم يفهموا بلدهم “المغرب” وما فيه من فرص والتي ككل بلدان العالم لن يخلو منها يوما، لمن له دماغ البحث عنها ومهارة القبض عليها ومطاردتها، ولم يفهموا أيضا “إسبانيا” ولا حتى ميكانيزمات الهجرة، لذا انصدموا أمام حجم الغضب والعنصرية التي واجههم بها الاسبان/المغاربة إلى درجة مطاردتهم والتبليغ عنهم في كل مكان، وحرمانهم حتى من الطعام والماء فعادوا محبطين مضطرين إلى بلدهم الذي لم يكونوا يرون فيه بالأمس إلا الظلام، مع أن النور والظلام متلازمان في كل مكان ولكن رؤية أي منهما يتوقف على نوع النظارات التي ينظر بها إليهما الناظرون.

وأخيرا، إن اللواتي يقذفن في هذه الدوامة للهجرة والمهجر مسلمات بنات مسلمين من بلد وأمة مسلمة، مما يساءل سياساته العمومية وخطاباته الدينية ومؤسساته الاجتماعية وفاعليه الرسميين والمدنيين..، وكلها لم تستطع حمايتهن من الهجوم الكاسح لمؤسسات العولمة وخططها المتوحشة على حياتهن الغضة الطرية وعفتهن الفطرية السليمة، ولابد أن إيقاظ الوعي الديني فيهن واستنهاض قيمه الأخلاقية والالتزام بها، لابد أن له دور أساسي وحاسم في اتباع الفضيلة والتشبث بها رغم الصعوبات والمكابدات، وكذا الابتعاد عن الرذيلة والدوران في مداراتها رغم التسهيلات والاغراءات. ما قيمة هوية وقيم لا تحمي صاحبتها من كذا مواقف ومنزلقات؟، وما قيمة مبادئ وثقافة أي ثقافة لم تنقذ صاحبتها من كذا بلاءات وابتلاءات، ولم تبصرها حتى بحقيقتها، مسارتها ومآلاتها؟، إن الأمور في الحقيقة أسهل ما يكون لمن سهلها الله عليه، سهلها الله عليه فقط بالتخلي عن التصورات الخاطئة والتصرفات غير الصحيحة، وهي الباب المشرع لالتفاف كل البلاءات على سلامة حياتنا وسلب الطمأنينة منها دون استئذان؟، فمتى سنكف عن مبسترات جاهزة ولكنها سامة ومن ذلك قولهم: ” دير راسك بين الريوس وعيط يا قطاع الريوس”؟، ومن ذلك قولهم: “هاد الشي دعات به الوقت”، ومن ذلك قولهم: “آش غاتقول لأولادك.. الزمان يقول لهم وهما يقولوا لك “، ومن ذلك قولهم: “الهجرة باب كل خير للبنات.. الخدمة والزواج والدار واللوطو وحيد باراك”، ومن ذلك قولهم: “كون Cool وصيفط البنت تخدم على دارهم”؟، ومن ذلك.. ومن ذلك..، ولكن الواقع شيء آخر، عنيد ولا يصح فيه إلا الصحيح؟.

التعليقات مغلقة.