تأهيل الأداء البرلماني والانتخابي مسؤولية مشتركة بين الأغلبية والمعارضة والمجتمع
جريدة أصوات
سنة وراء سنة ، تبرز أسئلة ملحة حول جودة الأداء البرلماني والجماعي، سواء للأغلبية أو المعارضة. فالمؤسسات المنتخبة، من برلمان ومجالس جهوية ومحلية، تواجه تحديات كبيرة في ترجمة تطلعات المواطنين إلى تشريعات فعالة وممارسات رقابية ذات قيمة مضافة. لكن هل يمكن تحقيق ذلك في ظل ثقافة سياسية لا تزال تعاني من اختزالات تفضي إلى الصراعات غير المجدية، وضعف التواصل مع الناخبين؟
يشير واقع العمل البرلماني إلى وجود فجوة بين المأمول والفعلي. فبدلاً من أن يكون البرلمان فضاءً للإغناء التشريعي والرقابي، تحوّل في كثير من الأحيان إلى ساحة للهجوم المتبادل والتركيز على نقاط ضعف الخصوم. هذا النهج لا يُضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة فحسب، بل يحوّل النواب إلى مجرد “جنود” ينفذون أجندات ضيقة، بعيدًا عن روح المسؤولية والنقاش الموضوعي.
ولكن، كيف يمكن توقع أداء أفضل دون مساءلة حقيقية من الأطراف الممثلة للأغلبية والمعارضة؟ فالمساءلة هنا لا تعني التخوين أو التقليل من الأدوار، بل تقييمًا موضوعيًا للقيمة المضافة التي يقدمها النواب في اللجان والجلسات العامة. فغياب الشفافية في الأداء، وعدم الإفصاح عن الحصيلة التشريعية والرقابية، يُبقي المواطن في حيرة من أمره، لا يعرف من يمثله حقًا، ولا كيف تُخدم مصالحه.
لا تقتصر الإشكالية على الأداء الداخلي للمؤسسات المنتخبة، بل تمتد إلى انقطاع التواصل بين الأحزاب والنقابات والمواطنين. فبعد كل دورة برلمانية أو محلية، لا يتم إطلاع الناخبين على طبيعة الأداء أو النتائج المحققة، مما يُضعف مساحة المساءلة المجتمعية. وفي المقابل، تتحول الدعاية الانتخابية إلى استثمار في “تسويق” المرشحين عبر وسائل غير أخلاقية، خاصة في دوائر الفقر والهشاشة، حيث تُباع الأصوات وتُشترى كما السلع في سوق المزادات.
هذه الممارسات لا تُهين الناخبين فحسب، بل تُفقد العملية الديمقراطية مصداقيتها. فبدلاً من أن تكون الانتخابات تعبيرًا عن الإرادة الحرة للمواطنين، تتحول إلى منافسة غير شريعة، تُحرّكها مصالح ضيقة و”مافيات انتخابية” تتحكم في توجيه الأصوات.
إن تأهيل المشهد البرلماني والانتخابي يتطلب جهدًا جماعيًا. فالأحزاب مطالبة بانتقاء مرشحيها بناءً على الكفاءة والنزاهة، وليس الانتماءات الضيقة. كما أن عليها توفير تكوين مستمر للنواب والمنتخبين، لتمكينهم من أداء مهامهم بفعالية، بعيدًا عن العزلة والسطحية التي يعاني منها الكثيرون اليوم.
وفي هذا الصدد، يأتي خطاب جلالة الملك أمام البرلمان في 10 أكتوبر 2025 ليمثل خارطة طريق واضحة، حيث شدّد على ضرورة تعبئة كل الطاقات، وتغليب المصلحة العليا للوطن، والارتقاء إلى مستوى الثقة الموضوعة في النواب. هذه التوجيهات ليست مجرد كلمات، بل هي دعوة إلى مراجعة شاملة للممارسات الحالية.
الرهان اليوم هو على إعادة بناء الثقة بين المواطن وممثليه، من خلال برلمانيين وجماعيين قادرين على ترجمة الاحتياجات إلى سياسات فعلية، وفي بيئة انتخابية نظيفة تحترم إرادة الناخب. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي مسؤولية مستمرة، وتقييم دائم، والتزام بخدمة الصالح العام.

التعليقات مغلقة.