كشفت أكبر دراسة عالمية من نوعها، نشرت في المجلة العلمية المرموقة “لانسيت لصحة الطفل والمراهقين”، عن ارتفاع مقلق في معدلات ارتفاع ضغط الدم بين فئة الأطفال والمراهقين، حيث تضاعفت النسبة تقريباً خلال العقدين الماضيين. الدراسة التي شملت بيانات أكثر من 400 ألف طفل من 21 دولة، أرجعت هذه القفزة الخطيرة إلى مزيج خطر من الأنظمة الغذائية غير الصحية، وقلة النشاط البدني، وارتفاع
أظهرت نتائج الدراسة أن معدل انتشار ارتفاع ضغط الدم بين من هم دون سن التاسعة عشرة ارتفع من 3.2% قبل عشرين عاماً إلى 6.2% حالياً. وهذا يعني أن ملايين الأطفال حول العالم يدخلون مرحلة البلوغ وهم يحملون عبئاً صحياً يهدد حياتهم.
ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، حيث كشفت عن أن 8.2% من الأطفال والمراهقين يعانون من حالة “ما قبل ارتفاع ضغط الدم”، وهي مرحلة تنذر بتحول الحالة إلى مرض كامل إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة. وتصل هذه النسبة بين المراهقين تحديداً إلى 11.8%، مع تسجيل ذروة في الارتفاع حول سن الرابعة عشرة، خاصة بين الذكور.
أشار البحث بوضوح إلى أن السمنة كانت “دافعاً رئيسياً” وراء هذه الزيادة الحادة. حيث يعاني ما يقرب من 19% من الأطفال المصابين بالسمنة من ارتفاع ضغط الدم، مقارنة بأقل من 3% فقط بين أقرانهم ذوي الأوزان الصحية. هذا الرابط الوثيق يسلط الضوء على الدور المركزي لأساليب الحياة في تشكيل الصحة العامة منذ الصغر.
تحذيرات الخبراء والعواقب المميتة:
حذر البروفيسور إيغور رودان، مدير مركز أبحاث الصحة العالمية في جامعة إدنبره والمؤلف الرئيسي للدراسة، من أن “الزيادة التي تقارب الضعف في ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال على مدى 20 عاما يجب أن تدق ناقوس الخطر لمقدمي الرعاية الصحية”.
وأفاد الخبراء بأن ما يقدر بـ 114 مليون طفل مصاب بارتفاع ضغط الدم قبل بلوغهم سن الرشد، يواجهون “خطراً مميتاً مدى الحياة”. هذا الخطر يتضمن زيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الكلى، ومجموعة لا تحصى من المضاعفات الصحية الخطيرة التي قد تقصر العمر وتؤثر على جودته.
في ضوء هذه النتائج الصادمة، شدد الأطباء على “الأهمية الحاسمة للفحص المنتظم” لضغط الدم خلال مرحلة المراهقة، لاكتشاف الحالات مبكراً والتعامل معها. كما أن الأطفال والمراهقين المصابين بمرحلة “ما قبل ارتفاع ضغط الدم” أكثر عرضة لتطور الحالة إلى مرض كامل، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً يشمل:
تبني أنظمة غذائية صحية: تقليل استهلاك الملح، والسكريات، والدهون غير الصحية، والاعتماد على الفواكه، والخضروات، والحبوب الكاملة.
تشجيع النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام لمكافحة قلة الحركة والسمنة.
الفحوصات الدورية: جعل قياس ضغط الدم جزءاً روتينياً من الفحوصات الطبية للأطفال والمراهقين.
الدراسة تقدم صورة قاتمة لكنها ضرورية لواقع صحي جديد، حيث لم يعد ارتفاع ضغط الدم حكراً على الكبار. حماية الأجيال القادمة تتطلب تحركاً جماعياً عاجلاً من الحكومات، والمؤسسات الصحية، والأسر، لقلب موازين هذه الإحصاءات وضمان مستقبل صحي لأطفالنا.

التعليقات مغلقة.