أصبحت المنصات الرقمية في الخليج العربي ساحة مركزية لصناعة الرأي العام وتبادل المواقف، بعدما تجاوز حضورها حد الترفيه والدردشة إلى التأثير الفعلي في المزاج السياسي والاجتماعي والثقافي. هذا التحول أحدث ديناميكية جديدة في النقاشات، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام ظواهر مشحونة بلغات حادة ومواقف استقطابية، تلامس أحياناً خطوطاً حساسة في البنية الاجتماعية.
جذور التوتر الرقمي
يرتبط جانب من احتقان هذه النقاشات بترحيل ملفات إقليمية شائكة إلى ساحات النقاش المحلية دون مراعاة الفوارق بين السياقات. فالأزمات التي تضرب الجوار العربي تتحول على المنصات الخليجية إلى صراعات رأي مشتعلة، تُستحضر بنبرة انفعالية، وتُحمّل المجتمع الخليجي ما لا يتصل أولوياته ولا يعكس واقعه الداخلي المستقر. والنتيجة خلل في البوصلة: قضايا الخارج تطغى على احتياجات الداخل.
عامل آخر يزكي هذه الأجواء هو تصاعد حضور الهويات الجزئية – الطائفية والقبلية والأيديولوجية – على حساب الهوية الوطنية الجامعة. هنا لا يُناقش الموقف بصفته فكرة قابلة للأخذ والرد، بل يُعاد تشكيله بوصفه بطاقة تعريف لصاحبه، ما يقود لشكل من “الفرز الهوياتي” الذي يختصر الإنسان في انتمائه، ويغلق الباب أمام لغة الحجة والحجة المضادة.
الخوارزميات… وقود الاستقطاب
ما يزيد المشهد تعقيداً أن البنية التقنية للمنصات نفسها تُشجع الخطاب المشتعل. فخوارزميات الانتشار تكافئ المحتوى الذي يثير الجدل ويستفز العاطفة، لأنه يضمن التفاعل السريع، وبالتالي أرباحاً أكبر للإعلانات. أما الأصوات التي تحاول تقديم طرح هادئ ومنهجي، فتجد نفسها في منطقة مظللة، لا يسلط عليها الضوء إلا بجهد مضاعف.
ولأن الشهرة الرقمية باتت هدفاً يسعى إليه البعض، تتحول الاستفزازات اللغوية والمواقف المتصلبة إلى أسلوب حضور، ولو على حساب العلاقات الأهلية والتماسك المجتمعي.
نحو إدارة رشيدة للفضاء الرقمي
مواجهة هذا الواقع لا تكون عبر رقابة خانقة أو تقييد لحرية التعبير، بل من خلال منظومة متكاملة تتوزع بين الدولة والمجتمع:
-
حكومياً: تنسيق خليجي لرصد حملات التحريض المنظمة، وتطوير تشريعات توازن بين حق التعبير وواجب حماية السلم الأهلي.
-
مؤسساتياً: منصات إعلامية تقدم المعلومات الدقيقة، وتعيد صياغة دور الصحافة بوصفها غواية للحقائق لا صدى للتوتر.
-
مجتمعياً: ترسيخ مهارات التفكير النقدي، وتشجيع النقاشات التي تُفرق بين الرأي الشخصي والخطابات التحريضية.
الحفاظ على النموذج الخليجي
وسط محيط مضطرب سياسياً وأمنياً، نجحت دول الخليج في تثبيت نموذج للاستقرار والانفتاح الاقتصادي. هذا المكسب لا يجب أن يُترك رهينة لخطابات عابرة على منصات رقمية، قد تبدو تافهة في ظاهرها لكنها قادرة على خلق شقوق عميقة في النسيج الاجتماعي إن تُركت دون إدارة واعية.
الاختلاف حق، بل ضرورة. لكن تحويله إلى مادة لصراعات هوياتية هو ما يهدد المسار. وفي زمن تتحرك فيه الكلمات بسرعة الضوء، يصبح ضبط البوصلة الأخلاقية والمعرفية مسؤولية مشتركة، لا رفاهية.

التعليقات مغلقة.