لم تعد قضية الماء في المغرب مجرد ملف تقني يرتبط بتقلبات المناخ أو تدبير ظرفيات الجفاف، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ورش وطني استراتيجي يعكس انتقال المملكة نحو مقاربة جديدة تعتبر الأمن المائي أحد أعمدة السيادة والتنمية المستدامة والعدالة المجالية.
ويأتي هذا التحول في سياق رؤية شمولية تقودها الدولة المغربية تحت القيادة العليا لـالملك محمد السادس، التي جعلت من الماء قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي والكرامة الاجتماعية، وليس فقط بالسياسات القطاعية التقليدية.
في هذا الإطار، أكد وزير التجهيز والماء نزار بركة خلال مشاركته في الدورة الثانية لملتقى “MAP Town Hall” بالرباط، أن السياسة المائية بالمغرب انتقلت من منطق التدبير الظرفي إلى منطق “السيادة المائية”، في انسجام مع الرؤية الملكية التي أعادت تعريف علاقة الدولة بالمورد المائي باعتباره ثروة وطنية يجب حمايتها وتثمينها.
رؤية ملكية تتجاوز البنية التحتية
وأوضح الوزير أن المقاربة الجديدة لا تقتصر على بناء السدود وتطوير التجهيزات المائية، بل تتجه نحو ضمان ولوج عادل ومستدام للماء لجميع المواطنين، بما يعزز العدالة المجالية ويكرس الإنصاف الترابي.
وترتكز هذه الرؤية على خمس دعائم أساسية:
اعتبار السيادة المائية جزءاً من السيادة الوطنية الشاملة مع تعزيز الصمود المائي عبر تطوير التحلية والصناعة المرتبطة بالماء
بالإظافة إلى تحقيق العدالة المجالية عبر الربط بين الأحواض المائية وحماية الموارد المائية من خلال التدبير المستدام وإعادة استعمال المياه و توظيف الدبلوماسية المائية في التعاون جنوب–جنوب، خصوصاً داخل القارة الإفريقية.
وتكشف المعطيات الرسمية عن تحول نوعي في الوضع المائي بالمملكة، حيث بلغ المخزون الإجمالي للسدود حوالي 12.88 مليار متر مكعب، بنسبة ملء تناهز 75.64%، وهو ارتفاع كبير مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية التي لم تتجاوز فيها النسبة 39.53%.
هذا التحسن يعكس، وفق المعطيات الرسمية، فعالية السياسة الاستباقية التي اعتمدها المغرب في مواجهة سنوات الجفاف والتقلبات المناخية، من خلال تنويع مصادر المياه وتطوير البنية التحتية.
وعلى مستوى الأحواض المائية، سجلت عدة مناطق نسب ملء مرتفعة، من بينها:
حوض تانسيفت بنسبة تفوق 94%
حوض اللوكوس بما يقارب 90%
حوض أبي رقراق بأكثر من 88%
حوض سبو الذي يعد الأكبر حجماً بأكثر من 4.7 مليارات متر مكعب
تحسن ملحوظ في حوض أم الربيع الذي انتقل من وضعية حرجة إلى أكثر من 65%
في المقابل، ما يزال حوض درعة واد نون في مستويات أقل نسبياً، ما يعكس استمرار التفاوتات المجالية في توزيع الموارد المائية.
تعكس هذه المؤشرات، وفق المقاربة الحكومية، انتقال المغرب إلى “جيل جديد من السياسات المائية” يقوم على الاستباق بدل رد الفعل، وعلى حماية الرأسمال المائي بدل استنزافه، وعلى تعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.
كما يراهن هذا التوجه على تحويل ثقافة ترشيد الماء إلى سلوك مجتمعي دائم، باعتبار أن التحدي لم يعد تقنياً فقط، بل أصبح ثقافياً وتنموياً أيضاً.
يبدو أن المغرب، في ظل الرؤية التي يقودها الملك محمد السادس وتنفيذ القطاعات الحكومية المعنية، يتجه نحو ترسيخ نموذج مائي جديد يقوم على الدمج بين السيادة الوطنية، والتخطيط الاستراتيجي، والتضامن المجالي، والدبلوماسية الدولية.
وفي هذا السياق، لم يعد الماء مجرد مورد طبيعي، بل أصبح أحد مؤشرات قوة الدولة وقدرتها على ضمان استدامة تنميتها في مواجهة تحديات المناخ والندرة المتزايدة.

التعليقات مغلقة.