أثارت معطيات جديدة صادرة عن “الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب” جدلاً واسعاً حول طريقة تدبير الدعم العمومي الموجه لقطاع المواشي خلال السنوات الأخيرة، بعد تسجيل استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء رغم ضخ ملايير الدراهم من المال العام بين 2023 و2025.
وجاء في بيان للهيئة، صدر بتاريخ 5 شتنبر 2026، أن هذا الدعم لم ينعكس بشكل ملموس على القدرة الشرائية للمواطن، حيث استقرت أسعار اللحوم في مستويات مرتفعة تجاوزت 90 درهماً للكيلوغرام، ما يطرح تساؤلات حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة في هذا القطاع الحيوي.
وأشارت الهيئة إلى أن جزءاً مهماً من دعم الأعلاف واستيراد المواشي يستفيد منه عدد محدود من كبار المربين والشركات الفلاحية الكبرى، في حين يواجه صغار الكسابة والمتوسطون، الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع القروي، صعوبات كبيرة في الولوج إلى هذا الدعم بسبب تعقيد المساطر واشتراطات الكميات.
واعتبرت الهيئة أن هذا التوزيع غير المتوازن يعمّق الفوارق داخل القطاع، ويحد من قدرة الدعم العمومي على تحقيق أهدافه الاجتماعية والاقتصادية.
ورغم ضخ مبالغ مالية كبيرة في شكل دعم مباشر وغير مباشر، سجل البيان استمرار ارتفاع أسعار اللحوم، ما اعتبرته الهيئة مؤشراً على ضعف آليات تتبع أثر الدعم وغياب الربط بين التمويل العمومي وانعكاسه على السوق والاستهلاك.
كما تساءلت الهيئة عن مدى فعالية منظومة مراقبة انتقال الدعم من حلقات الإنتاج إلى المستهلك النهائي، في ظل غياب مؤشرات واضحة لقياس الأثر الحقيقي للسياسات المعتمدة.
وسجل البيان ما وصفه بـ”غياب الشفافية” في تدبير هذا الملف، مشيراً إلى عدم نشر لوائح المستفيدين من دعم الأعلاف والاستيراد بشكل مفصل وقابل للتدقيق العمومي، إضافة إلى غياب آليات واضحة لربط صرف الدعم بتحقيق نتائج ملموسة، وعلى رأسها خفض أسعار اللحوم في الأسواق.
وفي هذا السياق، دعت الهيئة إلى تعزيز الحق في الولوج إلى المعلومة، مستندة إلى مقتضيات الدستور، خصوصاً الفصل 27 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.
وطالبت الهيئة وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات باتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة النظر في منظومة الدعم، من خلال:
نشر لوائح المستفيدين من الدعم بأسمائهم عبر بوابة إلكترونية محينة وشفافة.
إعادة هيكلة آلية الدعم وربط جزء مهم منه بما وصفته بـ”التعاقد على سقف سعري” لبيع اللحوم للمستهلك، مع تفعيل آليات المراقبة الميدانية.
كما استندت الهيئة في مطالبها إلى الفصل 31 من الدستور الذي يضمن الحق في الغذاء الكافي، داعية إلى سياسات أكثر عدالة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
واختتم البيان بالتأكيد على أن الهدف الأساسي من الدعم العمومي هو حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استقرار الأسعار، مشدداً على أن أي إصلاح مستقبلي يجب أن يعيد توجيه الدعم نحو صغار المربين، ويضمن في الوقت نفسه أثراً مباشراً على المستهلك.
ويأتي هذا الجدل في سياق نقاش متواصل حول فعالية الدعم العمومي في القطاع الفلاحي، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين دعم الإنتاج وحماية القدرة الشرائية للأسر المغربية.



التعليقات مغلقة.