الجيش الملكي لكرة السلة.. عندما يثبت التكوين أن نجاح الأندية لا يصنعه اللاعب الأجنبي
"جريدة أصوات" متابعة " المصطفى الوداي"
في وقت تتسابق فيه أغلب أندية البطولة الوطنية لكرة السلة نحو التعاقد مع لاعبين أجانب أملا في المنافسة على الألقاب أو تفادي الهبوط، اختار الجيش الملكي نهجا مختلفا يقوم على الاستثمار في التكوين، والثقة في أبناء النادي، وبناء مشروع رياضي طويل الأمد يضع اللاعب المحلي في صلب استراتيجية النجاح.
ولم يكن هذا التوجه مجرد قرار تقني أو ظرفي، بل رؤية متكاملة تبنتها إدارة النادي مع نهاية موسم 2022-2023، بعدما خلصت إلى أن بناء فريق قوي ومستقر لا يتحقق عبر التعاقدات الموسمية المكلفة، وإنما من خلال إعداد جيل من اللاعبين القادرين على تمثيل الفريق لسنوات، وخدمة كرة السلة الوطنية في الوقت نفسه.
ويأتي هذا الخيار في ظل تنامي الاعتماد على اللاعبين الأجانب داخل البطولة، وهي سياسة لم تحقق، في كثير من الحالات، القيمة الفنية المنتظرة، بقدر ما أثقلت ميزانيات الأندية، دون أن تساهم بشكل ملموس في تطوير مستوى المنافسة أو الارتقاء باللاعب المغربي.
إعادة البناء بعد رحيل 11 لاعبا
واجه الجيش الملكي تحديا كبيرا مع انطلاق المشروع، بعدما غادر الفريق أحد عشر لاعبا دفعة واحدة، بين الاعتزال والانتقال إلى أندية أخرى. وكان من أبرز الراحلين الدوليان جهاد بنشليخة وكريم الهوى اللذان التحقا بالفتح الرباطي، إضافة إلى محمد بنيشو الذي انتقل إلى اتحاد طنجة.
ورغم صعوبة المرحلة، فضلت إدارة النادي عدم اللجوء إلى الحلول السريعة، ومنحت الثقة لابن الفريق، المدرب الوطني محمد العروسي، لقيادة المشروع ابتداء من موسم 2023-2024، بمساعدة سعيد نونو وكريم أمزال، في طاقم تقني يجمعه الانتماء لمدرسة الجيش الملكي والإيمان بفلسفة التكوين.
مشروع للمستقبل لا للنتائج الآنية
ركز الطاقم التقني على بناء فريق متجانس قادر على المنافسة لسنوات، من خلال تطوير الجوانب التقنية والبدنية، وترسيخ الانضباط التكتيكي، وتعزيز الروح الجماعية، وخلق منافسة إيجابية داخل المجموعة، مع منح الفرصة للعناصر الشابة لإبراز مؤهلاتها.
ولم تتأخر نتائج هذا العمل في الظهور، إذ فرض عدد من أبناء النادي أنفسهم ضمن أبرز المواهب الصاعدة في البطولة الوطنية، وأصبحوا محط اهتمام عدد من الأندية، كما بات بعضهم قريبا من تمثيل المنتخب الوطني، ويتعلق الأمر بكل من أيوب تشوت، وأنس الموساوي، ومراد الصحيفي، وياسر المهداوي، والمهدي بكدير.
أرقام تؤكد نجاح المشروع
على مستوى النتائج، نجح الجيش الملكي في بلوغ مرحلة “البلاي أوف” خلال ثلاثة مواسم متتالية، بعدما احتل المركز السابع في موسم 2023-2024، ثم المركز السادس في الموسمين التاليين، وهي حصيلة تحققت بفريق لا يتجاوز متوسط أعمار لاعبيه 24 سنة، ويعتمد في غالبيته على أبناء النادي، في بطولة تضم فرقًا تعزز صفوفها بعدد كبير من اللاعبين الأجانب.
وتؤكد هذه الأرقام أن نجاح الفريق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل متواصل ورؤية واضحة ترتكز على الاستقرار الإداري والتأطير التقني الجيد والاستثمار في العنصر البشري المحلي.
نموذج يستحق التعميم
تجربة الجيش الملكي تقدم نموذجا مختلفا في تدبير الأندية الرياضية، إذ تثبت أن الاستثمار في التكوين ليس خيارا اقتصاديا لتقليص النفقات فقط، بل مشروع رياضي متكامل يصنع الاستقرار، ويؤهل لاعبين قادرين على خدمة أنديتهم والمنتخبات الوطنية.
ويحسب لمسؤولي النادي، وفي مقدمتهم رئيس الفريق الجنرال الأيوبي، دعمهم المتواصل لهذا المشروع، ومنحهم الطاقم التقني الوقت والثقة اللازمين لتنزيل رؤيته على أرض الواقع، بعيدا عن الضغوط المرتبطة بتحقيق نتائج سريعة.
كما تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز الحضور الإعلامي لفرع كرة السلة بالنادي، سواء عبر إنشاء صفحة رسمية خاصة بالفريق أو تطوير قنوات التواصل مع الجماهير، من أجل التعريف بهذا المشروع الرياضي الذي أصبح يشكل نموذجا يستحق الدراسة والاقتداء.
وفي النهاية، تؤكد تجربة الجيش الملكي أن اللاعب الأجنبي قد يصنع الفارق في مباراة أو موسم، لكن مدرسة التكوين هي التي تبني فريقا قادرا على المنافسة والاستمرار لسنوات. إنها رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من اللاعب المحلي، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه استدامة النجاح وتطور كرة السلة المغربية.

التعليقات مغلقة.