أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حدو سنان.. من قرية بآسفي إلى صدارة الطب العسكري المغربي

"جريدة أصوات" بقلم: الأستاذ "محمد عيدني"

صنعت الطبيبة الكولونيل ماجور “حدو سنان” مسارا استثنائيا جمع بين العلم والانضباط العسكري، وحولت رحلة بدأت من قرية بإقليم آسفي إلى تجربة مهنية رائدة في تاريخ الطب العسكري والمرأة المغربية.
لم تكن الطريق التي اختارتها حدو سنان عادية، ولم يكن الوصول إلى مراتب متقدمة في الطب والمؤسسة العسكرية أمرا سهلا في زمن كانت فيه المرأة المغربية تخوض بداياتها الأولى نحو عدد من المهن والمسؤوليات التي ظلت لسنوات طويلة حكرا على الرجال.
فمن دوار العيايطة بجماعة جمعة سحيم بإقليم آسفي، بدأت الحكاية.

هناك ولدت حدو سنان فاسي فهري يوم 17 شتنبر 1944، قبل أن تنتقل مبكرا إلى عالم الدراسة، مؤمنة بأن العلم يمكن أن يكون جسرها نحو المستقبل.

تلقت تعليمها الابتدائي بمدرسة بياضة بآسفي، ثم غادرت مسقط رأسها في سن الرابعة عشرة متجهة إلى الرباط، حيث واصلت دراستها بثانوية لالة نزهة وثانوية لالة عائشة، إلى أن حصلت على شهادة البكالوريا في شعبة الفلسفة.
لكن طموحها لم يتوقف عند حدود الدراسة الثانوية. فقد اختارت الطب، وبدأت بين سنتي 1963 و1970 مسارا علميا قادها إلى عالم الطب العام، قبل أن تدخل مرحلة جديدة ستجعل اسمها مرتبطاً بتاريخ المرأة في المؤسسة العسكرية المغربية.
فقد أصبحت حدو سنان أول امرأة تترقى إلى رتبة ملازم في الجيش المغربي، في خطوة لم تكن مجرد ترقية عسكرية، بل كانت لحظة فارقة في مسار حضور المرأة المغربية داخل المؤسسة العسكرية.

وبعد الطب العام، اختارت التخصص في طب النساء والتوليد، وواصلت تكوينها الطبي بفرنسا، حيث حصلت من كلية الطب بمونبلييه على دبلوم في طب النساء والتوليد وعلم الدم الحيوي.
وعندما عادت إلى المغرب سنة 1975، التحقت بالقوات المسلحة الملكية برتبة نقيب، حاملة معها تكوينا طبيا متقدما وتجربة علمية كان من شأنها أن تجعلها أمام مسؤوليات كبيرة.
وسرعان ما وجدت نفسها في قلب العمل الطبي، بين متابعة حالات الحمل والولادة والجراحة بدار الولادة “الليمون” بالرباط، وتقديم الاستشارات الطبية بالمستشفى العسكري محمد الخامس.

ومع افتتاح المستشفى العسكري الدراسي الجديد محمد الخامس، اتخذ مسارها المهني منحى أكثر مسؤولية، بعدما تولت رئاسة مصلحة طب النساء والتوليد، لتواصل بعد ذلك صعودها في سلم الرتب والمسؤوليات وصولا إلى رتبة كولونيل ماجور.
وهنا تكمن أهمية هذه التجربة؛ فحدو سنان لم تكن طبيبة عسكرية تؤدي وظيفة مهنية فحسب، بل كانت واحدة من النساء اللواتي أثبتن أن الكفاءة تستطيع أن تفتح الأبواب أمام أجيال جديدة من المغربيات داخل المؤسسات الوطنية.
لقد جمع مسارها بين قاعات الدرس ومدرجات كليات الطب، وبين المستشفيات العسكرية ومواقع المسؤولية، لتقدم نموذجاً لامرأة اختارت أن تجعل من العلم والانضباط والعمل أدوات لصناعة مكانتها المهنية.

ولا تنحصر قيمة هذه التجربة في الرتبة العسكرية التي وصلت إليها، وإنما في الطريق الذي قطعته للوصول إليها. امرأة بدأت تعليمها من مدرسة في آسفي، وانتقلت في سن مبكرة إلى الرباط، ثم سافرت لاستكمال تخصصها، وعادت إلى وطنها لتضع خبرتها في خدمة المؤسسة التي انتمت إليها.
وبعد سنوات طويلة من العمل، أغلقت عيادتها الخاصة سنة 2016، واتجهت إلى الرسم واهتمت بمجالات أخرى ارتبطت، وفق مسارها اللاحق، بالبحث في الإنسان وطرق التعامل معه، وكأن مسيرتها ظلت وفية لسؤال واحد:

كيف يمكن للإنسان أن يكون محورا للعلم والمهنة والإبداع في الوقت نفسه؟

إن استحضار اسم حدو سنان اليوم هو استحضار لجيل من النساء المغربيات اللواتي واجهن ظروفا مختلفة، واخترن طريق المسؤولية والعمل، ونجحن في الوصول إلى مواقع متقدمة بفضل التكوين والكفاءة والمثابرة.
كما أن مسيرتها تبرز الدور الذي اضطلعت به المرأة داخل القوات المسلحة الملكية، حيث أثبتت كفاءات نسائية عديدة، في مختلف المجالات والتخصصات، حضورها وقدرتها على تحمل المسؤولية والقيام بالمهام الموكولة إليها بكل جدية وانضباط.
وتبقى خدمة الوطن قيمة أساسية في هذا المسار، من خلال العمل والإخلاص والتفاني وتحمل المسؤولية، في إطار المؤسسة العسكرية التي تضطلع بمهام وطنية كبرى، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، نصره الله وأيده.

إن قصة حدو سنان ليست فقط قصة طبيبة وصلت إلى رتبة عسكرية رفيعة، وإنما قصة امرأة مغربية سبقت زمنها، خرجت من البادية، حملت طموحها إلى المدن، ثم إلى مدرجات الطب، قبل أن تعود إلى وطنها لتضع علمها وخبرتها في خدمة المغرب.
وهو مسار يستحق أن يُروى، لا باعتباره صفحة من الماضي فحسب، وإنما باعتباره شاهدا على أن المرأة المغربية كانت، ولا تزال، قادرة على صناعة الإنجاز حين تتسلح بالعلم والإرادة وروح المسؤولية.

التعليقات مغلقة.