أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الصين تعزز نفوذها في سلاسل توريد السيارات الأوروبية

"جريدة أصوات"

تتوسع شركات صينية لتصنيع مكونات السيارات في السوق الأوروبية عبر الاستحواذ على موردين محليين، في تحرك يثير مخاوف متزايدة لدى صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي وشركات السيارات بشأن مستقبل سلاسل التوريد وقدرة الشركات الأوروبية على الحفاظ على استقلاليتها الصناعية.

وبحسب معطيات نقلها تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، واستند إلى بيانات شركة «روديوم» الاستشارية، استثمرت شركات صينية منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي في أكثر من 130 شركة أوروبية متخصصة في تصنيع مكونات السيارات، تتركز نسبة كبيرة منها في ألمانيا وفرنسا، وهما من أبرز مراكز صناعة السيارات في القارة.

ويأتي هذا التوسع في وقت تسعى فيه بكين إلى تعزيز حضور شركاتها خارج الصين، بالتزامن مع تصاعد القيود التجارية الأوروبية على السيارات الكهربائية الصينية.

ويرى مسؤولون أوروبيون أن تنامي الملكية الصينية في قطاع المكونات قد يتحول إلى تحد استراتيجي بالنسبة للصناعة الأوروبية.

وترتبط هذه التحركات باستراتيجية صينية أوسع لتدويل الشركات والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الأجنبية، حيث بلغت الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات الأوروبي ذروتها خلال العقد الماضي، بالتزامن مع صفقات كبيرة، من أبرزها استحواذ شركة «جيلي» الصينية على شركة «فولفو» السويدية.

وفي المقابل، ساهم تشديد القيود على الاستثمارات الخارجية الصينية وارتفاع الحواجز التجارية في تحول العديد من الصفقات اللاحقة إلى عمليات استحواذ أصغر حجما، وهو ما سمح في حالات عديدة بمرورها دون تدقيق تنظيمي واسع.

كما فرض الاتحاد الأوروبي في عام 2024 رسوما إضافية على واردات السيارات الكهربائية الصينية، فوق التعريفة الأساسية البالغة 10%، بعد تحقيق أوروبي بشأن الدعم الحكومي الصيني لمصنعي السيارات الكهربائية.

ولا تقتصر الاستراتيجية الصينية في أوروبا على الاستحواذات، إذ تعتمد الشركات أيضا على زيادة الصادرات، وإقامة المشاريع المشتركة، وبناء مصانع جديدة داخل الاتحاد الأوروبي ودول مجاورة، من بينها صربيا وتركيا والمغرب.

وفي هذا السياق، أصبحت قواعد المحتوى المحلي التي تتجه بروكسل إلى تشديدها عاملا إضافيا يشجع الشركات الصينية على الاستثمار داخل أوروبا، إذ يتيح امتلاك موردين محليين الحصول بسرعة على قواعد إنتاج داخل القارة وتعزيز القدرة على تلبية متطلبات «صنع في الاتحاد الأوروبي».

وتبرز ألمانيا بشكل خاص باعتبارها مركزا رئيسيا لهذا التوسع، حيث أظهر تحليل لعينة من الشركات الصينية العاملة في سلسلة توريد السيارات الألمانية أن بعض المجموعات الصينية تعمل على بناء تجمعات صناعية في مناطق صناعة السيارات الرئيسية، مستفيدة من الاستحواذ على شركات متخصصة في مكونات وتقنيات متقدمة.

وتشمل هذه المجالات مكونات لمحركات السيارات الفاخرة، وأنظمة القيادة الذاتية، وتجهيزات الاتصال اللاسلكي، وهي قطاعات تكتسب أهمية استراتيجية مع تحول صناعة السيارات نحو السيارات الكهربائية والرقمنة والأنظمة الذكية.

وفي المقابل، تراقب شركات السيارات الأوروبية هذه الاستحواذات عن كثب، خصوصا عندما يتعلق الأمر بموردين يمثلون المصدر الوحيد لبعض المكونات الأساسية، إذ يمكن أن يؤدي تغير الملكية إلى مخاطر جديدة على استمرارية سلاسل الإمداد.

وتزداد حساسية الملف مع الضغوط التي تواجهها شركات تصنيع مكونات السيارات الأوروبية، في وقت شهد فيه القطاع عمليات خفض واسعة للوظائف لدى عدد من الشركات الكبرى، ما يجعل بعض الموردين المحليين أهدافاً أكثر جاذبية أمام المستثمرين الصينيين.

كما يمثل قطاع مكونات السيارات أهمية اقتصادية كبيرة في أوروبا، نظرا لارتباطه بملايين الوظائف وبشبكة واسعة من الشركات التي تزود المصنعين الأوروبيين بالمكونات والتقنيات الأساسية.

ومن جهة أخرى، لا تبدو الشركات الصينية متفوقة في جميع الحالات، إذ تواجه بعضها هوامش ربح محدودة وتحديات مرتبطة بنقل الخبرات الهندسية والقدرات التشغيلية إلى الأسواق الخارجية. ويرى محللون أن التجارب الناجحة فعليا في التوسع العالمي لا تزال محدودة مقارنة بحجم الطموحات الصينية.

وفي الوقت نفسه، ساهمت علاقات الشركات الصينية مع شركات السيارات الغربية في تسريع توسعها العالمي، بعدما استفادت من شراكات طويلة الأمد مع شركات مثل «فورد» و«فولكسفاغن» و«جنرال موتورز» لاكتساب الخبرة والوصول إلى الأسواق الدولية.

وتشير التطورات الأخيرة كذلك إلى أن العلاقة بين الشركات الأوروبية والصينية لا تقوم دائما على الاستحواذ، بل تشمل أيضاً شراكات تستهدف الاستفادة من التطور التكنولوجي الصيني، خصوصاً في مجالات السيارات الكهربائية والإلكترونيات والبرمجيات وسرعة تطوير المنتجات.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك صفقة استحواذ شركة «لوكسشير» الصينية على شركة «ليوني» الألمانية، والتي حصلت، وفق المعطيات الواردة في التقرير، على دعم من بعض عملاء الشركة الألمانية، في ظل رغبة شركات السيارات في الاستفادة من الخبرة الصينية في التطوير السريع وخفض التكاليف.

وبذلك، تواجه أوروبا معادلة معقدة بين حماية صناعتها وسلاسل توريدها الاستراتيجية من جهة، والاستفادة من التكنولوجيا والاستثمارات الصينية من جهة أخرى، خصوصاً مع اشتداد المنافسة العالمية في سوق السيارات الكهربائية.

وفي نهاية المطاف، قد يصبح مستقبل قطاع مكونات السيارات الأوروبي مرتبطاً بقدرته على تحقيق توازن بين تقليل الاعتماد على الموردين الصينيين والحفاظ على التعاون مع الشركات الصينية التي باتت تمتلك خبرات وتكنولوجيات يصعب تجاهلها في صناعة السيارات الحديثة.

التعليقات مغلقة.