المخدرات.. من يمول سوق السموم؟
تحقيق وتحليل بقلم: الإعلامي المتخصص "محمد عيدني"
لم تعد ظاهرة المخدرات مجرد مشكلة مرتبطة بالاستهلاك الفردي، بل تحولت إلى منظومة معقدة تتداخل فيها حلقات التموين والتخزين والنقل والتوزيع والوساطة، بما يجعل السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم أكثر إلحاحاً: من يموّل سوق السموم؟ ومن يقف خلف الشبكات التي تجعل المخدرات تصل إلى المستهلك؟
وتكشف التجربة الميدانية لمختلف الأجهزة الأمنية والقضائية أن مواجهة المخدرات لا يمكن أن تتوقف عند ضبط شخص بحوزته كمية محدودة أو توقيف مستهلك في وضعية تلبس، لأن هذه الحلقة غالبا ما تمثل الجزء الظاهر من سلسلة أطول تبدأ من مصدر التموين، مروراً بالموزع والوسيط والمروج، وتنتهي عند المستهلك.
وتفرض هذه الحقيقة الانتقال من منطق ضبط المخدر إلى منطق تفكيك الشبكة التي تقف وراءه، لأن الكميات المحجوزة، مهما بلغت، لا تكشف وحدها حجم السوق ولا الأشخاص المستفيدين من الأرباح المتأتية من هذه التجارة غير المشروعة.
السوق لا يتحرك من تلقاء نفسه
تحتاج أي عملية ترويج للمخدرات إلى سلسلة من الأشخاص والوسائل والموارد، تبدأ بالحصول على المادة المخدرة، ثم نقلها وتخزينها وتوزيعها، قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي.
وتستغل الشبكات الإجرامية، عندما تكون موجودة، طبيعة بعض المناطق واتساع المجال الجغرافي وتعدد المسالك والطرق، إلى جانب وسائل نقل مختلفة، لتسهيل تحركها وتقليل احتمالات اكتشافها.
وتجعل هذه الأساليب مهمة الأجهزة الأمنية أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تعتمد الشبكات على تقسيم الأدوار وعدم معرفة كل عنصر بكل تفاصيل النشاط، بما يصعب الوصول إلى الحلقة المركزية التي تدير العمليات.
ويصبح السؤال أكثر أهمية عندما تتكرر عمليات ضبط المخدرات في منطقة معينة: هل يتعلق الأمر بحالات منفصلة، أم أن وراءها مسارا منظما للتموين والتوزيع؟
المستهلك ليس نهاية القصة
يحتاج التعامل مع ظاهرة المخدرات إلى التمييز بوضوح بين المستهلك والمروج والموزع والممول، لأن المسؤوليات والأدوار ليست واحدة.
ويمثل المستهلك الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة، وقد يكون في بعض الحالات ضحية للإدمان والاستغلال والضغط الاجتماعي، بينما يستفيد آخرون من الأرباح الناتجة عن ترويج المواد المخدرة.
ولا يعني ذلك إعفاء أي شخص من المسؤولية التي يحددها القانون، وإنما يعني أن المقاربة الأمنية الأكثر فعالية هي التي تبحث عن الرأس الذي يدير الشبكة ومصدر التموين، إلى جانب التعامل القانوني مع باقي المتورطين بحسب أدوارهم وما تثبته الأبحاث.
ويطرح هذا المعطى سؤالا جوهريا: إذا كان المستهلك يحصل على المخدر، فمن الذي يبيعه له؟ ومن أين حصل عليه؟ ومن يزود المروج المحلي؟
المال.. الحلقة التي يجب تتبعها
تُعد الأرباح أحد أهم المحركات التي تجعل تجارة المخدرات مستمرة، ولذلك فإن تفكيك الشبكات لا ينبغي أن يقتصر على حجز المواد المخدرة، وإنما يجب أن يمتد، وفق الاختصاصات القانونية، إلى البحث في المسارات المالية المرتبطة بالأنشطة الإجرامية.
وتصبح عملية تتبع الأموال ذات أهمية خاصة عندما تظهر مؤشرات على وجود نشاط منظم، لأن الأرباح الناتجة عن التجارة غير المشروعة تحتاج إلى قنوات للتخزين أو الإنفاق أو إعادة الاستثمار.
ويفرض ذلك تعزيز التنسيق بين البحث القضائي والجهات المختصة في الجرائم المالية، كلما توفرت معطيات تبرر ذلك، للوصول ليس فقط إلى من يحمل المخدرات، وإنما إلى من يستفيد من تجارتها.
وتظل هذه المسألة من أكثر الجوانب حساسية، لأن أي حديث عن أموال أو ممتلكات أو تحويلات مرتبطة بالجريمة يحتاج إلى أدلة وتحريات وخبرات مالية، وليس إلى مجرد الشبهات أو الانطباعات.
الدراجات والسيارات.. أدوات أم وسائل عابرة؟
تظهر وسائل النقل في عدد من قضايا المخدرات باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن أن تستعمل في نقل المواد أو تسليمها، خصوصاً في المناطق التي تتوفر على شبكة واسعة من الطرق والمسالك.
وتبرز الدراجات النارية بشكل خاص في بعض البيئات المحلية، بسبب سهولة الحركة وسرعة الوصول إلى أماكن مختلفة، لكن امتلاك دراجة نارية أو استعمالها لا يشكل في حد ذاته دليلاً على أي نشاط إجرامي.
وتبقى مهمة الأجهزة الأمنية هي تحديد الحالات التي تتوفر بشأنها معطيات أو قرائن قانونية تستوجب التدخل، مع احترام حقوق الأشخاص وعدم تحويل الشبهة إلى إدانة.
الدواوير والمناطق الهامشية
تفرض المناطق القروية وشبه الحضرية تحديات أمنية خاصة بسبب اتساع المجال وتعدد المسالك وتباعد التجمعات السكنية.
وتحتاج هذه المجالات إلى حضور ميداني مستمر، وليس فقط إلى حملات ظرفية، لأن العمل الاستباقي وجمع المعلومات والتواصل مع السكان يمكن أن يساعد في اكتشاف الأنشطة المشبوهة في مراحل مبكرة.
وتلعب الساكنة دورا مهما في هذا الجانب من خلال التبليغ عن الوقائع عبر القنوات القانونية، دون اللجوء إلى التشهير أو نشر أسماء وصور أشخاص بناءً على مجرد الاشتباه.
ويظل التعاون بين المواطنين والأجهزة الأمنية عاملا أساسيا في مواجهة الجريمة، خصوصاً في المناطق التي يصعب تغطيتها بشكل كامل على مدار الساعة.
المقاهي والفضاءات العمومية
تطرح بعض المقاهي والفضاءات التي تعرف تجمعات كبيرة للشباب تحديات مرتبطة بالمراقبة والحفاظ على النظام العام، لكن من الضروري أيضاً عدم الخلط بين المقهى كمرفق تجاري قانوني وبين أي نشاط غير مشروع قد يقع بشكل فردي داخله أو بالقرب منه.
وتفرض المسؤولية الصحفية عدم اتهام أي مؤسسة أو صاحب محل دون معطيات موثوقة، لأن التعميم يضر بالأبرياء ويضعف قيمة المعلومة.
وتبقى الجهات المختصة هي صاحبة الصلاحية في إجراء المراقبة والتحقيق وتحديد المسؤوليات عند توفر الشروط القانونية.
أين يبدأ دور الأسرة؟
لا يمكن مواجهة المخدرات من خلال الأمن والقضاء وحدهما، لأن الظاهرة لها أبعاد اجتماعية وتربوية واقتصادية ونفسية.
وتشكل الأسرة خط الدفاع الأول من خلال متابعة الأبناء والانتباه إلى التغيرات السلوكية المفاجئة، وتعزيز الحوار، وعدم التعامل مع الإدمان باعتباره مجرد فضيحة اجتماعية ينبغي إخفاؤها.
وتتحمل المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام بدورها مسؤولية التوعية بمخاطر المخدرات، خصوصاً المواد التي تستهدف فئات عمرية صغيرة.
وتحتاج الوقاية إلى خطاب واقعي لا يكتفي بالتخويف، وإنما يشرح أيضا كيف تبدأ رحلة الاستهلاك وكيف يمكن أن تتحول إلى إدمان وما يترتب عنها من آثار اجتماعية وصحية وقانونية.
الحرب الحقيقية تبدأ من المصدر
تتطلب مواجهة تجارة المخدرات اعتماد استراتيجية متعددة المستويات، تبدأ بالوقاية ولا تنتهي بالتوقيف.
وتحتاج الأجهزة الأمنية إلى مواصلة استهداف المروجين ومصادر التموين والشبكات المنظمة، مع تطوير وسائل التحري وتتبع المسارات المالية وتعزيز التنسيق بين مختلف المصالح المختصة.
وتحتاج النيابة العامة والقضاء إلى مواصلة الاضطلاع بأدوارهما في إطار القانون، بما يضمن محاسبة من تثبت مسؤوليته وحماية حقوق الأشخاص واحترام قرينة البراءة.
وتحتاج وسائل الإعلام، في المقابل، إلى ممارسة دورها الرقابي دون الوقوع في فخ الإثارة غير المسؤولة، لأن كشف ظاهرة المخدرات لا يعني نشر أسماء المشتبه فيهم أو تحويل الشكايات إلى أحكام، وإنما يعني طرح الأسئلة الصحيحة والبحث عن الإجابات الموثقة.
السؤال الذي يجب ألا يختفي
يظل السؤال الأهم في معركة المخدرات بسيطا في صياغته، لكنه معقد في الإجابة:
من يموّل سوق السموم؟
فالمستهلك لا يصنع المخدر، والمروج الصغير ليس بالضرورة هو صاحب القرار، ومن ينقل كمية محدودة قد يكون مجرد حلقة في سلسلة أكبر.
ولهذا، فإن النجاح الحقيقي في محاربة المخدرات لا يقاس فقط بعدد الموقوفين أو الكميات المحجوزة، وإنما بمدى القدرة على الوصول إلى مصادر التموين، وتفكيك شبكات التوزيع، وتجفيف الموارد المالية، وتحديد المستفيدين الحقيقيين من هذه التجارة.
وتفرض هذه المقاربة أيضا عدم الاكتفاء بالعمليات الأمنية الظرفية، لأن الشبكات الإجرامية قادرة على تغيير أساليبها ووسائلها وأماكن نشاطها، بينما تحتاج مواجهتها إلى عمل استخباراتي وقضائي مستمر.
الإعلام أمام مسؤولية دقيقة
تؤكد جريدة أصوات أن تناول ملف المخدرات يجب أن ينطلق من حماية المجتمع، لكن دون المساس بحقوق الأشخاص أو إطلاق اتهامات غير مثبتة.
وتعتبر الجريدة أن الصحافة المهنية مطالبة بطرح الأسئلة التي قد لا تجد طريقها إلى النقاش العام، وفي مقدمتها: من يموّل؟ من يوزع؟ من يستفيد؟ كيف تصل المخدرات إلى الأحياء والدواوير؟ وما هي الآليات الكفيلة بقطع الطريق أمام الشبكات المنظمة؟
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة من اختصاص التحقيقات الأمنية والقضائية المبنية على الأدلة والقرائن، وليس على الشائعات أو الاتهامات المتداولة.
وتؤكد الوقائع العامة المرتبطة بمكافحة المخدرات أن المعركة الحقيقية ليست مع المستهلك وحده، وإنما مع المنظومة التي تجعل المخدر يصل إليه.
وعندما يتم الوصول إلى المصدر، وتتبع المال، وتفكيك حلقات التوزيع، وتجفيف منابع التموين، تصبح مواجهة الظاهرة أكثر فاعلية واستدامة.
أما الاكتفاء بإيقاف الحلقة الأخيرة من السلسلة، فيبقى إجراءً محدود الأثر إذا لم تتبعه أبحاث تقود إلى الحلقات الأعلى.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية: ليس فقط في معرفة من يحمل المخدرات، وإنما في معرفة من يقف خلفها، ومن يمولها، ومن يربح منها، ومن يفتح لها الطريق نحو المجتمع.

التعليقات مغلقة.