أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

من يدفع ثمن الحروب؟

"جريدة أصوات" بقلم: الإعلامي المتخصص "محمد عيدني" الرباط

تبدأ الحروب غالبا بقرار سياسي، أو بصراع على النفوذ، أو بخلاف حول الحدود والمصالح، لكنها لا تنتهي عند أصحاب القرار.

فحين تنطلق القذائف وتشتعل الجبهات، ينتقل الثمن سريعاً إلى المواطن العادي الذي يجد نفسه أمام واقع لم يختره، لكنه مضطر إلى تحمل نتائجه. وبينما تتبادل الأطراف المتحاربة المواقف والبيانات، يبحث المدنيون عن مكان آمن، وعن غذاء وماء ودواء، وعن مدرسة تعود إليها الحياة، وعن مستقبل لا تحكمه لغة السلاح.

لقد تغيرت طبيعة الحروب في العالم، وأصبحت أكثر تعقيدا من المواجهات العسكرية التقليدية. فلم تعد المعركة تجري فقط في ساحات القتال، وإنما امتدت إلى الاقتصاد والطاقة والغذاء والإعلام والفضاء الرقمي وسلاسل الإمداد. وأصبحت أزمة تقع في منطقة واحدة قادرة على التأثير في أسواق وبلدان بعيدة عنها، بما يجعل فاتورة الحرب تتجاوز حدود الدول المتحاربة.

 

ويكشف الواقع أن المدنيين يظلون الحلقة الأضعف في معظم النزاعات. فالأسرة التي تفقد منزلها لا تفكر في الحسابات الجيوسياسية، والطفل الذي يغادر مدرسته بسبب القصف لا يعرف شيئاً عن موازين القوى، والعامل الذي يفقد مصدر رزقه لا تعنيه التحالفات العسكرية بقدر ما يعنيه أن يجد عملا يؤمن به حياة أسرته.

وتزداد مأساة الحروب عندما تتحول المدن إلى ساحات للقتال، فتتضرر المستشفيات والمدارس وشبكات الماء والكهرباء والطرق، ويصبح الوصول إلى الخدمات الأساسية تحديا يوميا.

وحتى عندما تتوقف المعارك، لا تنتهي المعاناة، لأن إعادة بناء ما دمرته الحرب قد تحتاج إلى سنوات طويلة، وقد تحتاج بعض المجتمعات إلى أجيال كاملة لاستعادة ما فقدته من استقرار وثقة وأمان.

 

ولا يدفع المدنيون وحدهم الثمن المباشر، فالحرب تفرض فاتورة اقتصادية واسعة. إذ ترتفع كلفة النقل والتأمين، وتتأثر التجارة والاستثمارات، وتضطرب سلاسل التوريد، وقد ترتفع أسعار الطاقة والغذاء في مناطق بعيدة عن ميادين القتال. وهكذا يمكن أن يجد مواطن يعيش آلاف الكيلومترات عن منطقة النزاع نفسه أمام ارتفاع في تكاليف المعيشة نتيجة أزمة لم يكن طرفا فيها.

وتدفع الدول بدورها أثماناً باهظة عندما تتحول الموارد من التنمية إلى التسلح، لأن الأموال التي كان يمكن أن توجه إلى التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل تصبح موجهة إلى الإنفاق العسكري.

وقد يكون الدفاع عن الأمن الوطني ضرورة، لكن استمرار النزاعات واستنزاف الموارد يترك آثارا عميقة على التنمية ومستقبل الأجيال.

ويأتي الأطفال في مقدمة الفئات التي تتحمل نتائج الحروب. فالطفولة التي كان يفترض أن تكون مرحلة للتعلم واللعب وبناء الأحلام تتحول في مناطق النزاع إلى مرحلة للخوف والنزوح وفقدان الأقارب. وقد تنجو أجساد الأطفال من القصف، لكن آثار الحرب النفسية والاجتماعية قد تبقى معهم سنوات طويلة.

 

وتدفع النساء أيضا ثمنا ثقيلا في أوقات النزاعات، خصوصا عندما تفقد الأسرة معيلها أو تضطر إلى النزوح، فتتحمل مسؤوليات إضافية في ظروف قاسية، بينما تصبح الفئات الهشة أكثر عرضة للفقر والاستغلال والعنف.

ولا تتوقف آثار الحرب عند حدود الدولة التي تشهدها، لأن النزاعات تخلق موجات من الهجرة والنزوح، وتضغط على الدول والمجتمعات المستقبلة، وتفرض تحديات اقتصادية وإنسانية وأمنية جديدة. وهكذا تتحول الحرب من مشكلة محلية إلى أزمة إقليمية، وقد تصبح مع مرور الوقت قضية دولية يصعب احتواؤها.

وفي زمن التكنولوجيا، أصبحت المعلومة نفسها جزءا من الحرب. فقد تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات للصراع، وانتشرت الأخبار والصور والمقاطع خلال ثوان، وأصبح من الصعب أحيانا التمييز بين الحقيقة والدعاية والمعلومة المضللة. ولذلك تزداد مسؤولية الإعلام المهني في زمن النزاعات، لأن نقل الأخبار دون تحقق قد يساهم في نشر الخوف أو الكراهية، بينما يمكن للمعلومة الدقيقة أن تساعد المجتمع على فهم الواقع بعيداً عن التضليل.

 

ويحتاج الإعلام أثناء الحروب إلى قدر كبير من المهنية والموضوعية، خصوصاً في التعامل مع صور الضحايا والأطفال والنازحين. فالمأساة الإنسانية ليست مادة للاستغلال، والضحايا ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار، وإنما بشر لهم أسر وذكريات وحقوق وكرامة.

وتكشف تجارب التاريخ أن الحرب مهما طالت لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وأن أغلب النزاعات تنتهي في النهاية إلى التفاوض والحوار والبحث عن تسويات سياسية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا ينتظر العالم سقوط آلاف الضحايا وتدمير المدن حتى تبدأ لغة التفاوض؟

إن الوقاية من الحرب أقل كلفة بكثير من إعادة بناء ما دمرته. والدبلوماسية والوساطة والحوار ليست علامات ضعف، وإنما أدوات لتجنب الخسائر عندما تكون المصالح متعارضة. فالقوة الحقيقية لا تظهر فقط في القدرة على خوض الحرب، وإنما أيضاً في القدرة على منعها عندما يكون ذلك ممكناً.

ويحتاج المجتمع الدولي إلى التعامل مع النزاعات بمنطق أكثر إنسانية، بعيداً عن ازدواجية المعايير، لأن القانون الدولي وحقوق الإنسان يفقدان جزءاً من معناهما عندما تصبح حماية المدنيين مرتبطة بموقعهم الجغرافي أو بهوية الأطراف المتحاربة.

وتفرض الحروب كذلك سؤالا حول مسؤولية القوى الكبرى، خصوصاً عندما تتحول المنافسة الدولية إلى دعم غير مباشر للنزاعات أو إلى سباق على النفوذ والموارد. فالدول الكبرى تمتلك أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية تمنحها قدرة أكبر على التأثير، لكنها تحمل في الوقت نفسه مسؤولية أكبر في منع انتشار الصراعات وحماية الأمن الدولي.

أما الشعوب، فهي في الغالب لا تبحث عن الحروب. المواطن يريد مدرسة لأبنائه، ومستشفى قريباً، وعملاً يحفظ كرامته، وبيتا آمنا، ومستقبلاً مستقرا.

وهذه المطالب البسيطة تختصر جوهر ما يحتاجه الإنسان في كل مكان، مهما اختلفت اللغة أو الحدود أو الانتماءات.

 

لقد أثبت التاريخ أن الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق السلام، وأن إسقاط مدينة أو السيطرة على منطقة لا يضمن إنهاء أسباب الصراع. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة جذور النزاع، وإعادة بناء الثقة، وتحقيق العدالة، وفتح الطريق أمام التنمية والمصالحة.

وتظل إعادة الإعمار بعد الحرب من أصعب المراحل، لأن بناء الجدران أسهل أحيانا من إعادة بناء المؤسسات والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية. فالمدينة يمكن أن تستعيد مبانيها، لكن المجتمع يحتاج إلى وقت أطول لاستعادة الشعور بالأمان.

ومن هنا يصبح الاستثمار في السلام استثماراً في المستقبل. فكل مدرسة يتم بناؤها في منطقة نزاع، وكل مستشفى يعاد تشغيله، وكل طفل يعود إلى مقعد الدراسة، يمثل خطوة في اتجاه إغلاق صفحة الحرب وفتح صفحة جديدة.

ويحتاج العالم اليوم إلى مراجعة مفهوم القوة، لأن القوة التي لا تستطيع حماية الإنسان تظل ناقصة مهما بلغت إمكاناتها. فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بالسلاح، وإنما أيضاً بالتنمية والعدالة والتعليم والاقتصاد القوي والمؤسسات القادرة على معالجة الخلافات قبل أن تتحول إلى صراعات.

 

وفي النهاية، قد يختلف السياسيون حول أسباب الحرب، وقد تختلف الدول حول المسؤوليات، وقد تتعدد الروايات، لكن هناك حقيقة واحدة يصعب إنكارها: الأبرياء هم الذين يدفعون غالباً الثمن الأكبر.

فالحرب قد تبدأ بقرار في غرفة مغلقة، لكنها تصل إلى بيت المواطن، وإلى مدرسة الطفل، وإلى المستشفى، وإلى سوق الخضار، وإلى مستقبل جيل كامل.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من انتصر في الحرب؟ وإنما: كم إنسانا خسر حياته، وكم طفلا خسر طفولته، وكم أسرة فقدت منزلها، وكم سنة ستحتاج المجتمعات حتى تتعافى؟

ويبقى السلام، رغم صعوبته، أقل كلفة من الحرب، والحوار أقل ثمنا من الدمار، والدبلوماسية أكثر حكمة من ترك الأجيال تدفع فاتورة صراعات لم تختَرها.

فإذا كانت الحروب يصنعها أصحاب القرار، فإن ثمنها غالباً ما يدفعه الذين لا يملكون قرار إشعالها.

التعليقات مغلقة.