الانتخابات التشريعية بين توريث المقاعد وصمت الهواتف: تكريس لثقافة “المرشح اللامسؤول”
بقلم الأستاذ محمد عيدني
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو الاستحقاقات التشريعية، وتتعلق فيه آمال الناخبين ببرامج ورؤى جديدة تنهض بالشأن العام، يصطدم الإعلام الوطني بظاهرة تتنافى تماماً مع أبجديات الممارسة الديمقراطية؛ ألا وهي ظاهرة “الهواتف المقفلة”. فقد اختار عدد من البرلمانيين والمرشحين الجدد الهروب إلى الأمام، وقطع حبل التواصل مع الصحافة، في خطوة تحرم الرأي العام من حقه الأصيل في الوصول إلى المعلومة.
إن لجوء هؤلاء إلى إغلاق قنوات التواصل لا يمثل مجرد عائق مهني يعترض عمل الصحافي، بل هو تجسيد صارخ لثقافة “المرشح اللامسؤول”. فكيف يمكن لمرشح يطمح لتمثيل الأمة وتدبير شؤون المواطنين أن يتهرب من أسئلة الإعلام؟ إن هذا السلوك اللامسؤول يفرغ العملية الانتخابية من محتواها القائم على التفاعل والشفافية، ويضرب عرض الحائط بالمكتسبات الدستورية للمملكة، لا سيما الفصل 27 الذي يضمن حق المواطنين في الحصول على المعلومات، والفصل 28 الذي يكفل حرية الصحافة.
ولعل متتبعي الشأن السياسي يدركون جيداً أن هذا الهروب المتعمد وراء الهواتف المقفلة ليس من فراغ؛ بل هو محاولة يائسة للتستر على واقع سياسي مقلق تحولت فيه الانتخابات إلى شبه “تركة عائلية”. فقد بات من المألوف والمستفز أن يعمد مسؤول حزبي أو برلماني نافذ إلى تزكية زوجته، أو ابنه، أو ابنته، أو أقاربه في اللوائح الانتخابية. هذا الاحتكار العائلي للمقاعد يجعل “السياسي اللامسؤول” عاجزاً عن مواجهة عدسات الكاميرات وميكروفونات الصحافيين، لأنه ببساطة لا يملك المبررات المنطقية والسياسية لإقناع الناخبين بأسباب ترشيح أقاربه على حساب كفاءات وطنية أخرى.
وأمام هذا العبث، يطرح سؤال جوهري نفسه: كيف يمكن للإعلام الجاد أن يفضح هذا الاحتكار ويكشف خلفيات هذه الترشيحات العائلية إذا كانت أبواب التواصل موصدة؟ وكيف يمكن حماية الناخب من تأثير “سماسرة الانتخابات” في ظل غياب التوضيحات الضرورية؟
إننا في مجموعة أصوات ميديا نؤكد أن الصحافة الوطنية ليست خصماً لأحد، بل هي مرآة تعكس نبض الشارع وصوته. وبناءً عليه، فإن المرشح الذي يختار خوض غمار الانتخابات عليه أن يتحلى بالشجاعة السياسية والمسؤولية الكاملة لمواجهة الإعلام. إن التغيير الحقيقي يبدأ بقطع دابر الممارسات اللامسؤولة، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل، بعيداً عن منطق التوريث، وتكريساً لشفافية تجعل المواطن شريكاً في القرار، لا مجرد رقم في معادلة عائلية مغلقة

التعليقات مغلقة.