في تونس هناك أحزاب تقاس أعمارها بالسنوات وأحزاب تقاس بما تركته من أثر في الذاكرة السياسية والتيار الشعبي واحد من تلك التجارب التي يصعب قراءتها من زاوية واحدة فقد ولد في لحظة سياسية شديدة الاضطراب وفقد مؤسسه بعد أيام قليلة من تأسيسه ثم واصل طريقه في المعارضة والتحالفات والانتخابات قبل أن يجد نفسه لاحقا في موقع مؤيد لمسار 25 جويلية.
فما الذي كان يمثله التيار الشعبي؟ وكيف تحول من مشروع أسسه محمد البراهمي إلى تجربة سياسية يقودها زهير حمدي ؟ وهل كانت مواقفه المتعاقبة تعبيرا عن ثبات فكري أم عن قراءة سياسية متغيرة للواقع التونسي؟
من رحم التيار القومي
لا يمكن فهم التيار الشعبي دون العودة إلى الخلفية الفكرية لمحمد البراهمي.
كان البراهمي من أبناء التيار القومي العربي والناصري في تونس.
ووفق السيرة البرلمانية المنشورة عنه انخرط منذ شبابه في الحركة الطلابية العربية التقدمية ثم ساهم سنة 2005 في تأسيس حركة الوحدويين الناصريين قبل أن تفتح الثورة التونسية المجال أمام العمل السياسي العلني.
بعد الثورة كان البراهمي من المشاركين في تأسيس حركة الشعب ثم أصبح عضوًا في المجلس الوطني التأسيسي عن سيدي بوزيد المدينة التي ارتبط اسمها ببداية الثورة.

لكن العلاقة بحركة الشعب لم تستمر.
في 7 جويلية 2013 استقال البراهمي من الحركة وأعلن تأسيس التيار الشعبي وكان زهير حمدي ومجموعة من الشخصيات القومية والسياسية من بين الوجوه التي ارتبطت بالمشروع الجديد و بحضور نسائي محترم .
كان المشروع يحمل ملامح واضحة : قومية عربية سيادة وطنية، عدالة اجتماعية مقاومة التبعية ودفاع عن الدولة الوطنية إلى جانب موقف شديد المعارضة لحركة النهضة والإسلام السياسي.
وهكذا لم يكن التيار الشعبي مجرد حزب جديد في سوق الأحزاب الذي عرفته تونس بعد الثورة بل كان محاولة لإعادة تقديم الخطاب القومي والاجتماعي في المشهد التونسي الجديد.
سبعة عشر يوما فقط…
لكن التاريخ كان أقسى من أن يمنح التجربة وقتها.
فبعد إعلان تأسيس التيار الشعبي في 7 جويلية 2013 اغتيل محمد البراهمي يوم 25 جويلية أي بعد ثمانية عشر يومًا فقط.
أُطلق عليه الرصاص أمام منزله بمحافظة أريانة ( تونس ) وأعلنت السلطات آنذاك أنه قتل بإطلاق النار .
كان الاغتيال ثاني اغتيال سياسي كبير في تونس خلال سنة 2013 بعد اغتيال شكري بلعيد ولذلك لم يبق حادثًا جنائيًا في الوعي العام بل تحول إلى زلزال سياسي.
خرجت الاحتجاجات وتصاعدت المطالب برحيل حكومة الترويكا واتسعت أزمة الثقة بين المعارضة والحكم.
وهنا أصبح اسم التيار الشعبي مرتبطا شاء أم أبى باسم مؤسسه الشهيد.
اغتيال البراهمي… من الجريمة إلى الذاكرة السياسية.
سنوات طويلة مرت قبل أن تصل قضية الاغتيال إلى أحكام قضائية.
في فبراير 2025 أصدرت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكامًا تراوحت بين الإعدام والسجن في حق عدد من المتهمين.
ثم جاءت المرحلة الاستئنافية في فبراير 2026 حيث أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بمحكمة الاستئناف بتونس أحكامًا تراوحت بدورها بين خمس سنوات والإعدام .
فبين الحقيقة القضائية والاستنتاج السياسي مسافة لا يجوز تجاوزها.
الاغتيال حقيقة ثابتة والأحكام القضائية حقيقة كذلك أما تحميل المسؤولية السياسية أو الحزبية المباشرة لأي جهة فيحتاج إلى أدلة وأحكام لا إلى الانطباعات أو الخصومات السياسية.
بعد البراهمي… هل يستطيع الحزب أن يعيش دون مؤسسه؟
كان هذا هو الاختبار الأصعب.
فقد وجد التيار الشعبي نفسه بعد أسابيع قليلة من ولادته أمام فراغ قيادي ورمزي هائل.
واصل الحزب نشاطه وبرز زهير حمدي في قيادته واستمر التيار في موقعه القومي والاجتماعي المعارض كما دخل في التحالفات التي عرفتها المعارضة التونسية ومنها الجبهة الشعبية.
لكن السنوات التالية كشفت مشكلة أعمق من مجرد البقاء التنظيمي:
كيف يتحول الرصيد الرمزي للشهيد إلى مشروع سياسي قادر على الإقناع الانتخابي؟
فالانتخابات لا تقيس فقط صدق الشعارات ولا تقيس فقط تاريخ المناضلين إنها تقيس القدرة على بناء تنظيم واسع وإقناع الناخب وتقديم برنامج وتحويل التعاطف إلى أصوات.
وهنا بدأ الفارق يظهر بين الحضور السياسي والإعلامي وبين القدرة الانتخابية.
وتُظهر النتائج الانتخابية الرسمية التي تنشرها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن حضور القوى التي تشكلت حول الجبهة الشعبية بقي محدودًا مقارنة بالقوى الكبرى في البرلمان.
وهذا يفتح سؤالا مشروعا لا اتهاما :
هل أخطأت القوى القومية واليسارية في إدارة تحالفاتها؟
هل كان خطابها أقرب إلى النخب منه إلى المواطن العادي؟
وهل أدى تعدد الأحزاب والانقسامات إلى استنزاف الرصيد الشعبي؟
من المعارضة إلى 25 جويلية
ثم جاءت سنة 2021.
في 25 جويلية اتخذ الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية قلبت المشهد السياسي التونسي وأصبح موقف الأحزاب منها اختبارا جديدا.
التيار الشعبي اختار دعم المسار.
لكن من المهم أن نقرأ موقفه كما عبر عنه قادتها لا كما يختصر أحيانا في عبارة “ساند قيس سعيد”.
ففي سبتمبر 2021 قال أمينه العام زهير حمدي إن 25 جويلية وفّر فرصة لتغيير ميزان القوى وإن موقف الحزب من التطورات اللاحقة سيتحدد وفق مآلات المسار.
كما أعلن الحزب مواقف داعمة لاستكمال مسار 25 جويلية والمحاسبة وربط ذلك بما اعتبره فسادًا وإرهابا وإخفاقا في إدارة البلاد خلال السنوات السابقة.
لكن المثير للاهتمام أن موقف التيار لم يكن وفق تصريحات قيادته تفويضًا مفتوحًا للرئيس.
ففي تصريحات لاحقة تحدث زهير حمدي عن ضرورة أن تقدم القوى السياسية بدائلها وانتقد فكرة احتكار الإصلاح وقال إن جمع السلطات بيد رئيس الجمهورية أمر واقع لكنه أكد في الوقت نفسه أن التيار يملك رؤيته الخاصة للنظام السياسي والانتخابي.
وهنا تظهر المفارقة.
التيار الذي عارض منظومة ما بعد الثورة وجد نفسه مؤيدًا لمسار أطلقه رئيس الجمهورية لتغيير تلك المنظومة لكنه لم يتخلَّ نظريًا عن حقه في النقد والاقتراح.
هل كان دعم 25 جويلية خطأ؟
ربما يكون هذا السؤال الأكثر حساسية في قراءة تجربة التيار الشعبي.
والإجابة ليست بسيطة.
من جهة يمكن فهم موقف التيار في سياق مواقفه السابقة فقد كان من أشد منتقدي منظومة الحكم والأحزاب التي هيمنت على المشهد بعد الثورة وكان يرى أن البلاد وصلت إلى انسداد سياسي واقتصادي واجتماعي.
ومن جهة أخرى فإن مساندة مسار سياسي تعني تحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن النتائج التي يفضي إليها هذا المسار.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا :
إذا كان 25 جويلية فرصة تاريخية للإصلاح فهل نجح المسار في تحقيق ما انتظره التيار الشعبي منه؟
فهل بقبت المساندة ذاتها خاصة بعد ان جُمعت كل السلطات بيد واحدة ؟؟؟
التصريحات اللاحقة لزهير حمدي تشير إلى أن التيار ظل يرى في 25 جويلية فرصة لكنه في الوقت نفسه أصبح يقدم نفسه في موقع “المعارضة الوطنية” وينتقد جوانب من أداء السلطة ومسار الإصلاح وفي حوار حديث خلال فبراير 2026 عاد حمدي إلى الحديث عن تطور موقف الحزب من مسار 25 جويلية وقيس سعيّد وعن تقييم الحزب لأخطاء المرحلة السابقة والحالية.
التيار الشعبي… بين المبدأ والنتيجة
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر إنصافا
انه فقد مؤسسه في جريمة اغتيال هزت البلاد.
ثم واصل وجوده في المعارضة ودخل في تحالفات سياسية وخاض الاستحقاقات الانتخابية لكنه لم يتمكن من تحويل رمزيته التاريخية إلى قوة انتخابية كبرى.
وبعد عشر سنوات تقريبًا وجد نفسه في الجهة التي رأت في 25 جويلية فرصة للخروج من منظومة سياسية تم الحكم عليها واعتبارها فاشلة.
لكن السياسة ليست فقط مواقف صحيحة أو خاطئة.
إنها أيضا نتائج.
وهنا يصبح من حق القارئ أن يسأل:
هل نجح التيار الشعبي في الحفاظ على مشروع محمد البراهمي؟
هل أخطأ في تحالفاته؟
هل بالغ في رهانه على بعض القوى؟
هل كان خطابه قريبا من المجتمع أم بقي أسير النخب؟
هل كانت مساندته لـ25 جويلية قراءة استراتيجية بعيدة المدى أم استجابة لمرحلة سياسية استثنائية؟
وهل يستطيع التيار اليوم أن يقدم نفسه كقوة سياسية مستقلة لا مجرد امتداد لذكرى مؤسسه ولا مجرد جزء من المعسكر المؤيد أو المعارض للرئيس؟
في النهاية…
ربما لا تحتاج تجربة التيار الشعبي إلى محامٍ يدافع عنها ولا إلى خصم يصدر عليها حكما.
هي تحتاج إلى ذاكرة سياسية نزيهة.
ففي تاريخ الحزب وجوه مضيئة وفيه اختيارات قابلة للنقاش وفيه تحالفات وانقسامات وأخطاء وفيه شهيد أصبح جزءا من الذاكرة الوطنية وفيه أيضا مواقف سياسية قد يختلف حولها التونسيون.
والأجمل في الكتابة عن الأحزاب ألا نكتب لنقول للقارئ : هذا هو الحكم.
دورنا ان نضع أمام القارىء الوقائع والأسئلة والتناقضات ثم نقول له :
ٱقرأ… وتأمل… واحكم بنفسك

التعليقات مغلقة.