أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الحرب في الشرق الأوسط ترفع كلفة الطاقة والفوسفاط بالمغرب

جريدة أصوات

بدأت تداعيات الحرب المتواصلة في الشرق الأوسط تظهر بشكل غير مباشر في مؤشرات الاقتصاد المغربي، من خلال اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة، وهو ما انعكس على عدد من القطاعات التي تعتمد جزئياً على الاستيراد، وفي مقدمتها صناعة الفوسفاط والأسمدة.

وتبرز مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط إحدى أبرز صور هذا التأثير، بعدما تراجع رقم معاملاتها خلال النصف الأول من سنة 2026 بنسبة 7.3 في المائة، ليستقر عند 48.4 مليار درهم، فيما انخفضت أرباحها التشغيلية قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك بنسبة 28.5 في المائة، في ظل ارتفاع أسعار الكبريت واضطراب إمداداته وتراجع الطلب العالمي على الأسمدة.

وفي السياق ذاته، ارتفعت الواردات المغربية خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة بنسبة 15.8 في المائة إلى 617.5 مليار درهم، مقابل نمو الصادرات بنسبة 8.7 في المائة إلى 334.9 مليار درهم، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري بنسبة 25.4 في المائة. ولا تعكس هذه الأرقام تأثير الحرب وحدها، لكنها تكشف حجم الضغوط التي تواجه الاقتصاد المغربي بفعل ارتفاع كلفة المدخلات والأسواق الدولية.

الفوسفاط يتأثر بارتفاع كلفة المدخلات

ورغم امتلاك المغرب احتياطيات ضخمة من الفوسفاط، فإن إنتاج الأسمدة يظل مرتبطاً باستيراد مواد أولية، خصوصاً الكبريت والأمونيا، ما يجعل القطاع معرضاً لتقلبات الأسواق الدولية واضطرابات سلاسل التوريد.

وكان الكبريت من أكثر المواد تأثراً خلال النصف الأول من السنة، بعدما تضاعفت أسعاره بنحو ثلاث مرات، مقابل ارتفاع أسعار الأسمدة الفوسفاطية بنحو 20 في المائة فقط. وانعكس ذلك على الربح التشغيلي لمجموعة OCP، الذي تراجع من 18.6 مليار درهم إلى 13.3 مليار درهم، بينما انخفض هامشه من 36 إلى 28 في المائة.

وتكشف أرقام التجارة الخارجية بدورها حجم الضغط، إذ بلغت واردات المغرب من الكبريت الخام 20.2 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بزيادة قدرها 12.3 مليار درهم مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بالتزامن مع تراجع صادرات الأسمدة بنحو 8 في المائة.

وفي مواجهة هذه التطورات، عملت مجموعة OCP على تعزيز مخزونات الكبريت وتنويع مصادر التوريد، إلى جانب رفع حصة سماد “TSP”، الأقل استهلاكاً للكبريت ولا يحتاج إلى الأمونيا، مع البحث عن مصادر جديدة للإمداد، من بينها العراق.

الطاقة.. قناة أخرى لانتقال الضغوط الخارجية

ولا تقتصر تداعيات اضطرابات الأسواق الدولية على صناعة الأسمدة، إذ يمثل اعتماد المغرب على الاستيراد لتغطية جزء كبير من حاجياته الطاقية قناة إضافية لانتقال ارتفاع الأسعار العالمية إلى الاقتصاد الوطني.

وارتفعت الفاتورة الطاقية للمملكة إلى 81.2 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بزيادة بلغت 29.1 في المائة على أساس سنوي. كما استمر الضغط على أسعار النفط، إذ أنهى خام برنت شهر شتنبر بارتفاع يقارب 14 في المائة، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية.

ويؤثر ارتفاع كلفة الطاقة على نطاق أوسع من الاقتصاد، بالنظر إلى ارتباطه بالنقل والإنتاج وتكلفة عدد من السلع والمدخلات المستوردة.

الشحن والتأمين يضيفان كلفة جديدة

وتتجاوز آثار اضطراب حركة التجارة الدولية سعر المواد المستوردة، لتشمل كذلك تكاليف الشحن والتأمين وآجال التسليم، خصوصاً مع اضطرار بعض السفن إلى تغيير مساراتها بسبب المخاطر المرتبطة بالعبور في المنطقة.

ولا تتوفر معطيات رسمية تفصل بشكل دقيق الكلفة الإضافية للشحن والتأمين الناتجة عن الحرب وحدها، غير أن هذه الضغوط تظهر بصورة غير مباشرة في تكلفة وصول الطاقة ومدخلات الإنتاج إلى المغرب.

السياحة تحافظ على ديناميتها والتضخم يظل محدوداً

ورغم هذه الضغوط الخارجية، لم تتأثر جميع القطاعات بالوتيرة نفسها، إذ واصلت السياحة تسجيل أداء إيجابي، بعدما بلغ عدد الوافدين إلى المغرب 14.1 مليون شخص خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بزيادة قدرها 4.5 في المائة، فيما تجاوز عدد الوافدين خلال شهر غشت وحده مليوني شخص لأول مرة.

كما بلغت إيرادات السفر 79 مليار درهم إلى نهاية يوليوز، بارتفاع نسبته 13.4 في المائة، ما يعكس استمرار دينامية القطاع رغم التوترات الخارجية.

وعلى مستوى الأسعار، ارتفع مؤشر الأسعار بنسبة 0.8 في المائة بين يوليوز وغشت، مدفوعاً، ضمن عوامل أخرى، بارتفاع أسعار المحروقات بنسبة 9.8 في المائة خلال شهر واحد. وفي المقابل، سجل المؤشر العام للأسعار انخفاضاً بنسبة 0.3 في المائة على أساس سنوي، بينما لم يتجاوز ارتفاع التضخم الأساسي 0.1 في المائة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن تأثير الحرب على الاقتصاد المغربي لا يسير في اتجاه واحد، بل يتوزع بين قطاعات تواجه ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية واضطرابات الإمدادات، وأخرى تواصل تسجيل نمو، بما يجعل انعكاس التوترات الجيوسياسية متفاوتاً بحسب طبيعة كل قطاع ومدى ارتباطه بالأسواق الخارجية.

التعليقات مغلقة.