قنبلة موقوتة في الفضاء العام: شوارع البيضاء وسلا تغص بالمختلين عقليا والمتشردين.. وأسئلة حارقة حول صمت السلطات المحلية
"جريدة أصوات" الرباط
تشهد شوارع كبريات المدن المغربية وعلى رأسها العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء ومدينة سلا تناميا مقلقا وغير مسبوق لظاهرة انتشار المتشردين والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية.
مشهد يومي بات يفرض نفسه بقوة على الفضاء العام، محولا الأرصفة والساحات إلى مأوى مفتوح لفئة هشة تركت تواجه مصيرها، وسط غياب شبه تام لتدخل الجهات الوصية والسلطات المحلية.
سلا.. استثناء يثير القلق
إذا كانت الدار البيضاء بحكم شساعتها وكثافتها السكانية تعاني من هذه الظاهرة منذ مدة فإن الوضع في مدينة سلا بات يطرح أكثر من علامة استفهام.
فقد أضحت أزقة وشوارع المدينة تسجل حضورا مكثفا ولاهتماما لأشخاص فاقدين للأهلية العقلية يجوبون الأحياء في مشاهد تدمي القلب وتثير في الآن ذاته مخاوف الساكنة.
هذا الوضع الاستثنائي في سلا يسلط الضوء على عجز بنيوي في استيعاب هذه الحالات رغم وجود مؤسسات استشفائية متخصصة في الطب النفسي بالمنطقة، مما يطرح تساؤلات حول آليات تسريح المرضى ومدى توفر المتابعة البعدية لهم.
أزمة إنسانية تتحول إلى هاجس أمني
لا يقتصر الأمر على البعد الإنساني المأساوي لهذه الفئة المحرومة من أبسط حقوق الرعاية والعلاج بل يتعداه ليصبح هاجسا أمنيا حقيقيا يهدد طمأنينة المواطنين. ففي ظل غياب الأدوية والمتابعة الطبية تنتاب بعض هؤلاء الأشخاص نوبات هيجان قد تترجم إلى سلوكيات عدوانية غير متوقعة تجاه المارة أو الممتلكات العامة والخاصة. احتكاكات يومية وتوجس دائم يعيشه المواطن، مما يحول الفضاء العام من فضاء للتعايش إلى منطقة خطر محتمل.
السلطات المحلية والمجالس المنتخبة.. غياب المساءلة والتدخل
أمام هذا الوضع المتفاقم يقف الرأي العام المحلي مصدوما من حالة “اللا مبالاة” التي تتعامل بها السلطات المحلية والمجالس المنتخبة مع هذه الظاهرة. أين هي دوريات المساعدة الاجتماعية؟ وما هو دور مؤسسات الرعاية التابعة لوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي؟ إن الاكتفاء بدور المتفرج أو اللجوء إلى تدخلات مناسباتية محتشمة “غالبا ما تسبق الزيارات الرسمية” لم يعد مقبولا.
السلطات المحلية اليوم مطالبة بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في حماية الفضاء العام وضمان أمن المواطنين، وفي نفس الوقت توفير الحماية والرعاية لهذه الفئة الهشة التي لا حول لها ولا قوة.
إن ترك المختلين عقليا في الشوارع هو إدانة صريحة لفشل السياسات الاجتماعية المحلية، وتقصير واضح في تفعيل آليات الإيواء العاجل والعلاج النفسي.
ناقوس خطر
إن استمرار تجاهل تمدد هذه الظاهرة في شوارع الدار البيضاء وسلا هو بمثابة لعب بالنار وتغاضٍ عن قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة لتخلف مآسي لا تحمد عقباها.
المقاربة المطلوبة اليوم لا يجب أن تقتصر على الحلول الترقيعية أو الحملات الأمنية المؤقتة بل تستدعي انخراطا جديا ومندمجا بين قطاعات الصحة، والداخلية، والتنمية الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، لصياغة استراتيجية مستدامة تعيد للمواطن إحساسه بالأمن وتحفظ للمختل عقليا إنسانيته المهدورة على أرصفة النسيان.

التعليقات مغلقة.