المنتخب المغربي أمام مالي.. التعادل يكشف اختلالات الأسود ويضع الخطة أمام امتحان حقيقي
بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس مدير عام مجموعة أصوات ميديا
كشف المنتخب المغربي أمام مالي عن مجموعة من علامات الاستفهام التي تتجاوز نتيجة المباراة، بعدما فشل في الحفاظ على تقدمه قبل أن يتمكن المنتخب المالي من تعديل الكفة في الدقيقة 78 في مشهد أعاد إلى الواجهة النقاش حول الأداء الجماعي والاختيارات التكتيكية ومدى جاهزية العناصر الوطنية لمواجهة منتخبات إفريقية تعرف جيداً كيف تتعامل مع الضغط وتستغل الأخطاء.
ورغم أن المنتخب المغربي دخل المباراة برغبة واضحة في فرض أسلوبه فإن مجريات اللقاء أظهرت أن الفارق بين امتلاك الكرة وبين التحكم الحقيقي في المباراة يظل كبيرا خصوصا عندما بدأ المنتخب المالي يرفع من إيقاعه ويضغط بشكل أكبر على حامل الكرة مستفيدا من بعض التمريرات غير الدقيقة والكرات الطائشة التي منحت المنافس فرصا للعودة إلى أجواء اللقاء.
وكان الشوط الأول قد منح انطباعا بأن المنتخب المغربي قادر على المحافظة على أفضليته غير أن الصورة تغيرت تدريجيا خلال الشوط الثاني حيث تراجع الانسجام بين الخطوط، وتكررت الأخطاء في بناء الهجمات، كما ظهرت صعوبة واضحة في الانتقال من الحالة الدفاعية إلى الهجومية بالشكل المطلوب.
ولم يكن الهدف المالي في الدقيقة 78 مجرد لقطة معزولة بل جاء ليكشف عن مشكل أكبر يتعلق بقدرة المنتخب المغربي على إدارة المباراة عندما لا تسير الأمور وفق السيناريو الذي يريده الجهاز التقني.
فالمنتخب الذي يطمح إلى المنافسة على أعلى مستوى قاريا مطالب بأن يمتلك أكثر من سيناريو تكتيكي وأن يكون قادرا على تغيير طريقة لعبه عندما يفرض المنافس ضغطا مختلفا.
أما الاعتماد المتكرر على أسلوب واحد في بناء الهجمات والتحرك في المساحات فإنه يجعل المنتخب أكثر قابلية للقراءة من طرف الخصوم.
كرات طائشة وأخطاء تحتاج إلى مراجعة
من أبرز الملاحظات التي فرضت نفسها خلال المباراة كثرة الكرات غير المركزة، سواء في التمرير أو الخروج بالكرة من المناطق الخلفية إلى جانب قرارات فردية لم تكن دائما في مستوى أهمية اللحظة.
وهذه الأخطاء قد تبدو بسيطة في مباراة واحدة لكنها تصبح خطيرة عندما يواجه المنتخب منافسا قويا بدنيا ومنظما تكتيكيا لأن المنتخبات الإفريقية الكبرى لا تحتاج في كثير من الأحيان إلى عدد كبير من الفرص من أجل معاقبة منافسها.
كما أن فقدان الكرة في مناطق حساسة يضع الخط الدفاعي تحت ضغط مستمر، ويجبر لاعبي الوسط على بذل مجهود إضافي لاستعادة التوازن، وهو ما يؤثر بدوره في الفعالية الهجومية.
الخطة أصبحت بحاجة إلى حلول جديدة
المباراة تفتح أيضا نقاشا مشروعا حول الخيارات التكتيكية للجهاز الفني خصوصا أن المنتخب المغربي لم يجد دائما الحلول المناسبة عندما تغير إيقاع المباراة.
فالمنافس أصبح أكثر جرأة في الشوط الثاني، وبدأ يضغط على حامل الكرة ويغلق بعض المنافذ التي كان المنتخب المغربي يستعملها في بناء اللعب ومع ذلك لم يظهر بالوضوح الكافي ذلك التغيير التكتيكي القادر على قلب المعطيات.
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية الجهاز الفني، ليس باعتبار أن كل خطأ سببه المدرب، وإنما لأن مهمة الطاقم التقني هي إعداد أكثر من سيناريو للمباراة، والتدخل في الوقت المناسب عندما تتغير معطيات اللعب.
فالمدرب لا يُقاس فقط بما يضعه قبل انطلاق المباراة، وإنما أيضاً بقدرته على قراءة ما يحدث داخل الملعب واتخاذ القرارات التي تمنح المنتخب الأفضلية من جديد.
التعادل ليس المشكلة الوحيدة
قد يقول البعض إن التعادل أمام مالي لا يمثل أزمة، خصوصا إذا كانت المباراة ذات طابع تحضيري، وهذا صحيح من الناحية الحسابية لكن كرة القدم لا تقاس دائماً بالنتيجة وحدها.
المهم هو ما الذي تعلمه المنتخب من المباراة، وما هي الأخطاء التي يمكن تصحيحها، وهل استطاع الجهاز الفني الوقوف على مكامن الخلل قبل الاستحقاقات الأكثر أهمية؟
القلق الحقيقي لا يرتبط بالتعادل، وإنما بطريقة التعامل مع المباراة بعد التقدم، وبمدى قدرة اللاعبين على الحفاظ على التركيز والانسجام، وعدم منح المنافس فرصة للعودة.
فالمنتخب الكبير هو الذي يعرف كيف يفوز عندما يكون متقدما وكيف يدافع عن أفضليته دون أن يتحول إلى فريق متراجع، وكيف يقتل المباراة عندما تتاح له الفرصة.
أسماء كبيرة تحتاج إلى منظومة أقوى
المنتخب المغربي يتوفر على عناصر تملك تجربة وإمكانات تقنية عالية، لكن كرة القدم الحديثة لا تقوم على المهارات الفردية وحدها.
وجود لاعبين محترفين في أقوى البطولات الأوروبية لا يعني تلقائيا أن المنتخب سيكون متفوقا في كل مباراة لأن المنتخب يحتاج إلى منظومة واضحة وتفاهم بين الخطوط وتحرك جماعي وسرعة في اتخاذ القرار.
وعندما تغيب هذه العناصر، يصبح اللاعب مطالبا بالحل الفردي فتكثر المراوغات غير الناجحة والتمريرات المقطوعة، والكرات التي لا تجد من يستثمرها بالشكل المطلوب.
وهذا ما ينبغي أن يكون محل مراجعة دقيقة لأن قوة المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة ارتبطت أساسا بروح المجموعة والانضباط التكتيكي والقدرة على التحول السريع، وليس فقط بالأسماء الموجودة في القائمة.
رسالة إلى الجهاز الفني
المباراة أمام مالي يجب أن تتحول إلى ورقة عمل حقيقية للجهاز الفني.
هناك حاجة إلى مراجعة طريقة بناء اللعب، والضغط بعد فقدان الكرة والتعامل مع تقدم المنافس إضافة إلى البحث عن حلول هجومية أكثر تنوعا وعدم السماح للخصم بقراءة أسلوب المنتخب بسهولة.
كما أن مرحلة الاستحقاقات الكبرى لا تحتمل الكثير من الأخطاء المجانية، لأن المنتخبات التي ينافسها المغرب أصبحت تعرفه جيدا وتدرس نقاط قوته وضعفه، وتبحث عن إغلاق المساحات أمام عناصره المؤثرة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب رفع مستوى التركيز والانضباط وليس الاكتفاء بالقول إن المنتخب يمتلك أسماء كبيرة.
المطلوب التدارك قبل فوات الأوان
التعادل أمام مالي يمكن أن يكون مفيدا إذا تمت قراءته بالشكل الصحيح وتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب الأوراق وتصحيح الأخطاء.
أما إذا تم التعامل معه باعتباره مجرد نتيجة عابرة، فإن المشاكل التي ظهرت داخل الملعب قد تتكرر في مباريات أكثر أهمية، وعندها تصبح تكلفة الأخطاء أكبر بكثير.
المنتخب المغربي مطالب اليوم بأن يستعيد شخصيته التي جعلته يحظى بمكانة كبيرة على الساحة الإفريقية والدولية، وأن يثبت أن امتلاك الإمكانات لا يعني فقط القدرة على تسجيل الأهداف، وإنما القدرة أيضا على التحكم في المباراة، وإدارة الضغط، وتغيير النهج عندما تفرض المواجهة ذلك.
الوقت ما زال متاحا للتدارك لكن الرسالة التي حملتها مواجهة مالي واضحة: المنتخب المغربي يحتاج إلى مزيد من التركيز ومزيد من الانسجام، وحلول تكتيكية أكثر تنوعاً، لأن المرحلة المقبلة لن ترحم الأخطاء.

التعليقات مغلقة.