أبرز تحليل للعلاقات الاقتصادية والدولية أن المغرب استطاع خلال السنوات الأخيرة تعزيز موقعه الاستراتيجي على الصعيد العالمي، مستفيداً من التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة، ومن قدرته على تنويع شراكاته الدولية واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، في وقت تتراجع فيه أدوار بعض القوى التقليدية وتصعد فيه فاعلون جدد.
وسلط التحليل الضوء على العلاقات المتنامية بين المغرب وإيطاليا، مشيراً إلى أن الجالية المغربية المقيمة بإيطاليا تضم نحو 413 ألف شخص، ما يجعلها، إلى جانب الجالية الألبانية، من أكبر الجاليات الأجنبية المستقرة في البلاد، بالتوازي مع تزايد الاهتمام السياحي بالمغرب باعتباره حلقة وصل استراتيجية بين إفريقيا وأوروبا.
واعتبر التحليل أن السياسة الخارجية المغربية، القائمة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، بما فيها الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، تمنح المملكة هامشاً مهماً للتحرك في ظل التقلبات التي تعرفها التحالفات الدولية، كما تعزز جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية، بفضل ما يوفره الاستقرار السياسي واستمرارية المؤسسات من ضمانات للمستثمرين.
ميناء طنجة المتوسط وصناعة السيارات يعززان التنافسية المغربية
وفي ما يتعلق بالبنيات التحتية والقطاعات الصناعية، توقف التحليل عند ميناء طنجة المتوسط، الذي تبلغ طاقته، وفق المعطيات الواردة فيه، نحو 12 مليون حاوية سنوياً، وهو حجم يعادل إجمالي حركة الحاويات في الموانئ الإيطالية مجتمعة. كما أشار إلى مشروع ميناء جديد على الساحل المتوسطي، يُرتقب أن يعزز القدرات اللوجستية والصناعية للمملكة، خاصة في مجالات النقل المرتبطة بالصناعة والطاقة.
وفي قطاع السيارات، أشار التحليل إلى أن الإنتاج المغربي تجاوز نصف مليون سيارة خلال السنة الماضية، أي ضعف الإنتاج الإيطالي وفق الأرقام المقدمة، إلى جانب التطور الذي تشهده صناعة الطيران والفضاء، مع استقرار شركات دولية كبرى بالمملكة.
كما سلط الضوء على الاستثمارات الصينية في صناعة البطاريات، الموجهة إلى السيارات وتخزين الطاقة المتجددة، مبرزاً أن هذه المشاريع تستهدف الأسواق العالمية، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمغرب وعلاقاته التجارية المتعددة. وتحدث في هذا السياق عن مشروع صناعي يمتد على مساحة 600 هكتار، وتتجاوز كلفته ستة مليارات يورو، مع توقع توفير نحو 25 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة عند بلوغه طاقته التشغيلية الكاملة، بحسب ما ورد في التحليل.
تحديات اجتماعية وتعليمية تعيق استكمال مسار التنمية
ورغم المؤشرات الإيجابية المرتبطة بالاستثمار والبنية التحتية، أقر التحليل باستمرار عدد من التحديات الداخلية، من بينها انخفاض متوسط دخل الفرد مقارنة بإيطاليا، واتساع الفوارق بين المناطق الحضرية والقروية، فضلاً عن الإكراهات التي تواجه منظومتي التعليم والصحة.
وشدد على أن مواصلة النمو الاقتصادي لا تتوقف على الاستثمارات الكبرى وحدها، بل تستدعي أيضاً تحديث المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل جزءاً مهماً من النسيج الاقتصادي المغربي، مع تحسين إنتاجيتها وقدرتها على المنافسة ومواكبة التحولات التكنولوجية.
وفي المقابل، أشار إلى أن الاستثمارات الأجنبية والجهود المبذولة لتطوير البنية التحتية أسهمت في دعم النمو الاقتصادي، مبرزاً أن المغرب يواصل تعزيز شبكات الطرق والسكك الحديدية، بما فيها خطوط القطارات فائقة السرعة التي تربط عدداً من المدن الكبرى، وهو ما يعزز جاهزيته لاستقبال الزوار خلال التظاهرات الرياضية الدولية المقبلة.
الخلاف المغربي الجزائري يحد من تطور العلاقات مع إيطاليا
وعلى مستوى العلاقات الثنائية، اعتبر التحليل أن التعاون السياسي والاقتصادي بين المغرب وإيطاليا لا يزال دون الإمكانات المتاحة، رغم التقارب الجغرافي والمصالح المشتركة، مرجعاً ذلك جزئياً إلى التوتر القائم بين المغرب والجزائر بشأن قضية الصحراء.
وأوضح أن اعتماد إيطاليا على الغاز الجزائري، خصوصاً بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي، يفرض عليها مراعاة مصالحها الطاقية، وهو ما يحد من تطور التقارب المغربي الإيطالي إلى شراكة أكثر شمولاً في بعض المجالات.
كما أشار إلى أن استمرار الجمود في العلاقات المغربية الجزائرية ينعكس سلباً على فرص التعاون الإقليمي، ويؤثر في مصالح البلدين وإمكانات التكامل الاقتصادي بينهما.
وخلص التحليل إلى أن التوصل إلى تسوية توافقية للخلافات القائمة من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للتعاون، مؤكداً أن الحلول القائمة على التفاهم والتوافق يمكن أن تحقق مكاسب مشتركة للأطراف المعنية، وتسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة.

التعليقات مغلقة.