تجربة لقاح مثيرة للجدل تضع آلاف الرضع في دائرة الخطر
"جريدة أصوات"
أثارت تجربة طبية يعتزم باحثون دنماركيون إجراءها في غينيا بيساو جدلا أخلاقيا وصحيا واسعا بسبب تصميمها الذي يقضي بعدم إعطاء نحو نصف الأطفال المشاركين لقاح التهاب الكبد «ب» عند الولادة وتأجيل تطعيمهم خلال الأسابيع الستة الأولى من حياتهم في وقت يحذر فيه خبراء من مخاطر العدوى وتداعياتها طويلة الأمد.
وتستهدف الدراسة وفق المعطيات المنشورة، نحو 14 ألف طفل حديث الولادة بحيث يحصل نصفهم على اللقاح عند الولادة بينما لن يتلقاه النصف الآخر خلال الأسابيع الستة الأولى.
وقد أثار هذا التصميم اعتراضات من متخصصين يرون أن حرمان بعض الرضع من حماية متاحة يطرح تساؤلات جوهرية حول سلامة المشاركين ومدى استيفاء المعايير الأخلاقية للبحث العلمي.
وفي هذا السياق، تصاعد الجدل بعد موافقة لجنة أخلاقيات البحث التابعة لجامعة جنوب الدنمارك على المشروع وفق التقارير التي تناولته بينما استقال أربعة من أعضاء اللجنة احتجاجاً على الدراسة.
ومن بينهم ستيغ بورسن هانسن الذي عبر عن مخاوفه من إخضاع حديثي الولادة لتجربة قد تختلف فيها فرص الحصول على الحماية من العدوى رغم أن مخاطر المرض معروفة.
وتنبع المخاوف الصحية من طبيعة فيروس التهاب الكبد «ب» الذي يمكن أن يؤدي إلى عدوى مزمنة ومضاعفات خطيرة، من بينها تليف الكبد وسرطان الكبد. وتزداد احتمالات استمرار العدوى مدى الحياة عندما يصاب الطفل بالفيروس في مرحلة مبكرة وهو ما يجعل الوقاية والتطعيم في الوقت المناسب عنصرين أساسيين في الحد من مخاطر المرض.
كما أن انتقال الفيروس لا يقتصر على الولادة أو انتقاله من الأم إلى طفلها بل يمكن أن يحدث عبر التعرض للدم أو سوائل الجسم الملوثة.
ويستطيع الفيروس البقاء معديا على الأسطح لمدة تصل إلى سبعة أيام في ظروف مناسبة ما يوسع نطاق طرق انتقاله ويعزز أهمية التدابير الوقائية.
وتنص الخطة بحسب المعلومات المتداولة، على إخضاع الأمهات المشاركات لفحوص الكشف عن الفيروس قبل الولادة، مع تطعيم أطفال الأمهات اللاتي تثبت إصابتهن واستبعادهم من الدراسة.
أما الأطفال الذين تكون نتائج فحوص أمهاتهم سلبية فقد يختارون للمشاركة في التجربة وهو إجراء لا ينهي، في نظر المعترضين التساؤلات المتعلقة بمخاطر تأخير التطعيم.
وفي المقابل يرى منتقدون أن فوائد لقاح التهاب الكبد «ب» مدعومة بعقود من الأدلة العلمية وأن وضع مجموعة من الأطفال في ذراع تتلقى اللقاح وأخرى لا تحصل عليه فور الولادة يحتاج إلى تبرير علمي وأخلاقي صارم خصوصاً في بلد ترتفع فيه معدلات الإصابة بالفيروس.
وقد حذر بول أوفيت المتخصص في الأمراض المعدية بمستشفى الأطفال في فيلادلفيا، من أن إجراء مثل هذه الدراسة في دولة ذات موارد محدودة يثير مخاوف بشأن عدالة توزيع المخاطر والحماية الصحية.
وارتبط الجدل أيضا بمواقف وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي جونيور المعروفة بالتشكيك في بعض سياسات التطعيم، بعدما أشاد بالباحثين القائمين على المشروع خلال مؤتمر مناهض للتطعيمات وفق ما نقلته صحيفة «الغارديان».
كما أشارت تقارير إلى تخصيص مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة نحو 1.6 مليون دولار لدعم المشروع مع توقع استكمال التمويل من مصادر خاصة.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بسبب الوضع الوبائي في غينيا بيساو حيث تشير التقديرات الواردة في التقارير إلى ارتفاع نسبة البالغين الحاملين لفيروس التهاب الكبد «ب».
وفي ظل هذه المعطيات يتركز النقاش على ما إذا كانت الفوائد العلمية المتوقعة من الدراسة تبرر تأخير التطعيم لدى بعض الأطفال وما إذا كانت الضمانات المقدمة كافية لحماية المشاركين الأكثر هشاشة.
وبذلك، يتجاوز الجدل حدود تجربة سريرية واحدة ليطرح أسئلة أوسع عن أخلاقيات البحث الطبي في الدول ذات الموارد المحدودة وحقوق الأطفال الذين لا يستطيعون الموافقة على المشاركة ومسؤولية الباحثين والجهات الممولة ولجان الأخلاقيات في ضمان ألا تأتي المعرفة العلمية على حساب سلامة المشاركين.
ويظل تقييم الدراسة مرتبطا بمدى وضوح مبرراتها العلمية وشفافية إجراءاتها واستقلالية الرقابة الأخلاقية وتوافر الحماية الصحية اللازمة للأطفال.

التعليقات مغلقة.