أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الصحراء المغربية.. حين تتحول الدبلوماسية إلى اختبار لموازين القوى

بقلم الأستاذ محمد عيدني – الرباط

أعادت التطورات الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء المغربية القضية إلى واجهة الاهتمام الإعلامي الدولي، بعدما تناولت صحيفة «إل باييس» الإسبانية، في تقرير نشرته يوم 23 أكتوبر 2026، مشروع قرار أمريكي معروض على أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يتضمن مقترحات جديدة بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، ويمنح مبادرة الحكم الذاتي المغربية موقعاً محورياً في المسار التفاوضي.
ولا تكمن أهمية هذا التطور في مضمون مشروع القرار فحسب، بل في دلالاته السياسية والاستراتيجية، وفي ما يعكسه من استمرار التحولات التي يعرفها التعامل الدولي مع نزاع الصحراء، بعد سنوات طويلة من الجمود الدبلوماسي وتعثر المساعي الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية نهائية.
فحين تتناول صحيفة إسبانية واسعة الانتشار ملفاً بهذا الحجم، فإن الأمر يتجاوز مجرد نقل خبر دبلوماسي عابر؛ إذ يتعلق بقضية ترتبط بمصالح إسبانيا الإقليمية، وبعلاقاتها الاستراتيجية مع المغرب، وبالتوازنات السياسية والأمنية في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا.
واشنطن تعيد ترتيب أولويات المسار الأممي
وفقاً لما أوردته «إل باييس» ووكالة الأنباء الإسبانية «إفي»، يقترح المشروع الأمريكي جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات المقبلة، إلى جانب تغييرات مقترحة في اسم بعثة الأمم المتحدة ووظائفها، وتقليص مكونها العسكري بصورة تدريجية.
وتعكس هذه المقترحات توجهاً أمريكياً نحو الدفع بالمسار السياسي إلى مرحلة أكثر تركيزاً على التفاوض بشأن صيغة للحل، بدلاً من استمرار إدارة النزاع ضمن ترتيبات أممية لم تنجح، على مدى عقود، في إنهائه بصورة نهائية.
غير أن القراءة المهنية تقتضي التمييز بين مشروع القرار والقرار المعتمد؛ فالمقترحات الأمريكية، مهما بلغت أهميتها السياسية، لا تصبح قرارات أممية نافذة إلا بعد استكمال المسطرة المعمول بها داخل مجلس الأمن.
كما أن مواقف بقية الأعضاء، ولا سيما الدول الخمس دائمة العضوية، ستظل عنصراً حاسماً في تحديد الصيغة النهائية للنص، وحدود التوافق الممكن بشأنه.
ومن هنا، فإن التطور الأبرز لا يتمثل في إعلان نهاية النزاع، بل في محاولة إعادة صياغة الإطار الذي ستجري ضمنه المفاوضات المقبلة.
مبادرة الحكم الذاتي.. رهان المغرب على الحل السياسي
منذ تقديم المغرب مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، ظل يؤكد أن التسوية السياسية الواقعية والدائمة ينبغي أن تقوم على احترام سيادته الوطنية ووحدته الترابية، مع منح الأقاليم المعنية تدبيراً ذاتياً واسعاً في إطار السيادة المغربية.
وتكتسب المبادرة أهميتها من كونها تطرح تصوراً مؤسساتياً لتدبير الشؤون المحلية، بما يشمل اختصاصات تنظيمية وتنموية، في إطار دولة موحدة تحافظ على اختصاصاتها السيادية.
ولا ينفصل هذا التصور عن الرؤية المغربية الأوسع للتنمية بالأقاليم الجنوبية، حيث جرى توجيه استثمارات إلى البنيات التحتية والنقل والطاقة والخدمات، في مسعى إلى تعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي لهذه الأقاليم.
وفي المقابل، لا يزال النزاع يواجه خلافات جوهرية بشأن تقرير المصير وطبيعة التسوية النهائية، وهو ما يجعل المفاوضات المقبلة مرتبطة بقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من تبادل المواقف إلى بحث ترتيبات سياسية قابلة للتفاوض.
وبالتالي، فإن القيمة الدبلوماسية لأي تطور جديد ستقاس بمدى قدرته على تحويل المواقف الدولية إلى تقدم عملي، وليس بمجرد تداول عناوين متفائلة أو قراءات إعلامية متباينة.
لماذا تتابع الصحافة الإسبانية الملف بهذه الكثافة؟
لا يمكن فهم اهتمام الصحافة الإسبانية بالصحراء المغربية بمعزل عن الروابط الجغرافية والتاريخية والسياسية التي تجمع إسبانيا بالمغرب.
فمدريد تدرك أن استقرار المغرب يرتبط بصورة مباشرة باستقرار محيطها الجنوبي، وأن التعاون بين البلدين يشمل ملفات استراتيجية تتجاوز العلاقات التجارية التقليدية، ليشمل أمن الحدود، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، والتعاون الشرطي، والتبادل الاقتصادي، وإدارة تدفقات الهجرة.
كما أن موقع إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي يجعلها معنية بأي تحول في مواقف الشركاء الدوليين بشأن الصحراء، خصوصاً في ظل العلاقات المتنامية بين الرباط والعواصم الغربية.
ومن هذا المنطلق، فإن التغطية الإسبانية ليست كتلة واحدة متجانسة؛ فهناك صحف تميل إلى إبراز المكاسب الدبلوماسية المغربية، وأخرى تركز على التحديات القانونية والسياسية، فيما تختار بعض المنابر تناول القضية من زاوية التنافس الإقليمي أو انعكاساتها على المصالح الإسبانية.
ولهذا، فإن التعامل المهني مع هذه المواد يقتضي قراءة ما تقوله الصحيفة، وتحديد ما تنقله عن مصادرها، ثم الفصل بين الخبر والتحليل والتعليق السياسي.
إن أهمية الصحافة الإسبانية بالنسبة إلى القارئ المغربي لا تكمن في اعتبارها مرجعاً نهائياً للحقيقة، بل في كونها نافذة لفهم كيفية قراءة جزء من الرأي العام الأوروبي للتطورات المغربية، وكيف تتفاعل النخب السياسية والإعلامية الإسبانية مع التحولات الجارية في المنطقة.
مجلس الأمن.. بين فرص التسوية وتعقيدات التوافق الدولي
على الرغم من أهمية المشروع الأمريكي، فإن الطريق إلى التسوية النهائية لا يزال يمر عبر مؤسسات الأمم المتحدة ومواقف الأطراف المعنية.
فمجلس الأمن ليس مجرد منصة لإعلان المواقف السياسية، بل مؤسسة تتطلب صياغة قرارات تحظى بالحد الأدنى اللازم من الأصوات، مع عدم استخدام حق النقض من أي عضو دائم.
كما أن التوافق الدولي بشأن قاعدة التفاوض لا يعني بالضرورة التوصل الفوري إلى اتفاق نهائي؛ إذ تظل تفاصيل التنفيذ والضمانات السياسية والمؤسساتية، ومشاركة الأطراف المعنية، من القضايا التي تحتاج إلى معالجة دقيقة.
وتشير التقارير المنشورة إلى أن جبهة البوليساريو رفضت المشروع الأمريكي بصيغته المتداولة، ولوحت بالانسحاب من المسار التفاوضي إذا جرى اعتماده دون تعديلات جوهرية.
ويكشف هذا الموقف عن حجم التحدي الذي ينتظر المساعي الدبلوماسية، لأن نجاح أي مبادرة لا يرتبط فقط بمواقف الدول المؤثرة، وإنما أيضاً بقدرتها على إيجاد أرضية تفاوضية تمنع انهيار الحوار.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي أمام الدبلوماسية الدولية يتمثل في تحقيق تقدم سياسي قابل للاستمرار، يحول دون تجدد التوتر، ويعزز فرص الاستقرار في منطقة تحتاج إلى التعاون أكثر من حاجتها إلى مزيد من التصعيد.
المغرب في محيط إقليمي متغير
لا يمكن فصل قضية الصحراء المغربية عن التحولات التي تعرفها منطقة شمال إفريقيا، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن والتنمية والتنافس الجيوسياسي مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
فالمغرب يراهن على موقعه كشريك إقليمي ودولي، وعلى شبكة علاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة وإفريقيا، لتعزيز حضوره الدبلوماسي والاقتصادي.
كما أن تطور بنياته التحتية ومشاريعه التنموية في الأقاليم الجنوبية يمنح البعد الاقتصادي مكانة أساسية في الرؤية المغربية، التي تعتبر أن التنمية والاستقرار عنصران متكاملان في تدبير القضايا الترابية.
غير أن تحويل هذه المكاسب إلى نتائج دائمة يظل مرتبطاً باستمرار العمل الدبلوماسي، وتطوير التعاون الإقليمي، وتفادي الخطابات التي تختزل النزاع في مواجهة إعلامية أو سياسية.
فالملفات الاستراتيجية لا تحسمها الضجة وحدها، بل تحسمها القدرة على بناء مواقف متماسكة، وإدارة التحالفات، وتقديم تصورات قابلة للنقاش والتفاوض، مع الدفاع عن المصالح الوطنية ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية المعمول بها.
قراءة مهنية: ما الذي ينبغي أن يفهمه القارئ المغربي؟
إن متابعة ما تنشره الصحافة الإسبانية حول المغرب تستدعي قدراً من الدقة والموضوعية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضية الصحراء المغربية.
فليس كل تقرير منشور موقفاً رسمياً للحكومة الإسبانية، وليس كل مشروع قرار أممي قراراً نهائياً، كما أن تصريحات الأطراف المتنازعة ينبغي نسبتها إلى أصحابها، وعدم تقديمها باعتبارها حقائق محسومة.
ومن هذا المنطلق، فإن تقرير «إل باييس» الصادر في 23 أكتوبر 2026 يكتسب أهميته من كونه يتناول مشروعاً أمريكياً يمكن أن يؤثر في مسار المفاوضات، وليس لأنه يعلن انتهاء النزاع أو يحسم مسبقاً نتيجة التصويت في مجلس الأمن.
وتكمن مسؤولية الإعلام المغربي في مواكبة هذه التطورات بلغة مهنية واضحة، تستند إلى المصادر الأصلية، وتقدم للقارئ السياق الكامل للخبر، بعيداً عن المبالغة أو تحويل التوقعات السياسية إلى وقائع نهائية.
كما أن من حق القارئ المغربي أن يطلع على مختلف القراءات الدولية، وأن يميز بين المواقف المؤيدة للمبادرة المغربية، والتحفظات التي تطرحها بعض الأطراف، والتحديات التي لا تزال تعترض التسوية.
فالدفاع عن المصالح الوطنية لا يتعارض مع الدقة الصحفية؛ بل إن قوة الخطاب الإعلامي تزداد كلما استند إلى الوقائع الموثقة، والتحليل الرصين، والقدرة على تفسير التطورات بدلاً من الاكتفاء بترديد الشعارات.
خاتمة: مرحلة جديدة تتطلب اليقظة والواقعية
إن ما نشرته الصحافة الإسبانية بشأن المشروع الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية يعكس أهمية المرحلة الراهنة، ويؤشر إلى استمرار البحث عن صيغة سياسية جديدة لتحريك ملف ظل لعقود من أكثر النزاعات تعقيداً في المنطقة.
لكن الحكم على النتائج يظل سابقاً لأوانه ما دام المشروع لم يستكمل مساره داخل مجلس الأمن، وما دامت مواقف الأطراف المعنية لم تتحول إلى اتفاق نهائي.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن المرحلة المقبلة تقتضي مواصلة التحرك الدبلوماسي، وتعزيز العلاقات مع الشركاء الدوليين، وتوضيح مضامين مبادرة الحكم الذاتي، وربط الدفاع عن الوحدة الترابية برؤية تنموية ومؤسساتية مستدامة.
أما بالنسبة إلى الإعلام، فإن التحدي يتمثل في تقديم تغطية تليق بحساسية القضية، وتضع القارئ أمام صورة واضحة للتطورات، بعيداً عن الخلط بين الخبر والتوقع، وبين الموقف السياسي والقرار الدولي.
إن الصحراء المغربية ليست مجرد عنوان في صحيفة إسبانية، بل قضية استراتيجية تتداخل فيها الدبلوماسية والقانون والتنمية وموازين القوى. ولذلك، فإن التعامل معها يحتاج إلى خطاب وطني مسؤول، وتحليل مهني متزن، ويقظة مستمرة لمتابعة ما ستسفر عنه التطورات الأممية المقبلة.

التعليقات مغلقة.