عاد النقاش حول حرية التعبير في المغرب إلى واجهة اهتمام الصحافة الفرنسية، عقب صدور حكم قضائي بالسجن أربع سنوات نافذة في حق الفنان ورسام الغرافيتي الشاب ياسر منبير، البالغ من العمر 22 سنة، على خلفية رسوم كاريكاتورية نشرها عبر حسابه على منصة «إنستغرام»، وتضمنت صوراً ساخرة للملك محمد السادس.
وأعادت القضية، التي تناولتها صحيفة «لوموند» الفرنسية في تقرير نشرته يوم 2 نونبر الجاري، طرح تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين حرية الإبداع الفني والمسؤولية القانونية، فضلاً عن طبيعة التعامل مع أشكال التعبير الساخر المنشورة عبر المنصات الرقمية.
أربع سنوات سجناً وغرامة مالية
وبحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة الفرنسية، أصدرت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، يوم الجمعة 30 أكتوبر الماضي، حكماً يقضي بسجن الفنان الشاب أربع سنوات نافذة، إلى جانب غرامة مالية تبلغ 40 ألف درهم.
وكان المعني بالأمر قد أوقف في 15 يونيو الماضي، وظل رهن الاعتقال الاحتياطي بسجن عكاشة خلال فترة متابعة القضية.
وتتعلق المتابعة القضائية، وفق ما تداولته وسائل إعلام، بتهم من بينها الإساءة إلى الملك وإهانة موظفين عموميين، في ارتباط برسوم كاريكاتورية نشرها الفنان عبر حسابه الشخصي على منصة «إنستغرام».
وفي هذا السياق، أوضح محاميه، فاروق مهداوي، أن هيئة الدفاع تعتزم الطعن في الحكم عن طريق الاستئناف، ما يعني أن الملف لا يزال مفتوحاً أمام درجات التقاضي، ولم يستنفد بعد جميع مراحله القانونية.
انتقادات حقوقية ومطالب بمراجعة العقوبة
أثار الحكم ردود فعل في الأوساط الحقوقية، حيث اعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن العقوبة الصادرة في حق الفنان الشاب قاسية وغير متناسبة، ودعت إلى الإفراج عنه.
كما نقلت وسائل إعلام دولية مواقف عدد من الحقوقيين والمدافعين عن حرية التعبير، الذين دعوا إلى مراجعة المقتضيات القانونية المرتبطة بتجريم بعض أشكال التعبير الساخر المتصلة بشخص الملك.
وفي المقابل، يظل من الضروري التمييز بين المواقف الحقوقية والانتقادات الإعلامية من جهة، والمسار القضائي من جهة أخرى، باعتبار أن القضية تخضع للإجراءات القانونية المعمول بها، وأن الطعن بالاستئناف يتيح إعادة النظر في الحكم وفق الضوابط القضائية.
الفصل 179 يعيد النقاش حول التشريع والتعبير الرقمي
تستند المتابعة، بحسب التقارير الإعلامية المنشورة، إلى مقتضيات الفصل 179 من القانون الجنائي المغربي، الذي يتناول الأفعال المرتبطة بالقذف أو السب أو الإهانة الموجهة إلى شخص الملك، مع الإشارة إلى تشديد العقوبات في بعض الحالات المرتبطة بالنشر الإلكتروني، وفق ما أوردته المصادر الإعلامية.
وأعاد هذا الجانب القانوني النقاش حول مدى ملاءمة التشريعات المنظمة لحرية التعبير مع التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية، وانتشار أشكال جديدة من التعبير الفني، من بينها الرسوم الساخرة وفن الغرافيتي والكاريكاتير.
فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد فضاءات للتواصل الشخصي، بل تحولت إلى مجال عام تتقاطع داخله المواقف السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يطرح تحديات قانونية ومؤسساتية تتطلب وضوحاً في القواعد المنظمة للتعبير وحدود المسؤولية عن المحتوى المنشور.
حرية الإبداع وحدود المسؤولية القانونية
لا يمكن فصل هذه القضية عن النقاش الأوسع الذي يشهده المجتمع المغربي بشأن حرية التعبير، ومكانة الفنانين والصحافيين والنشطاء في الفضاء العام، والحدود القانونية للنقد والسخرية والتعبير الفني.
وتبرز أهمية هذا النقاش في ظل التطور المتسارع لوسائل النشر الرقمي، التي أتاحت للأفراد إمكانية الوصول إلى جمهور واسع، لكنها في الوقت نفسه طرحت أسئلة جديدة بشأن المسؤولية القانونية عن المحتوى المنشور وطبيعة التعبيرات التي قد تدخل في نطاق المخالفات القانونية.
كما أن التوازن بين حماية المؤسسات ورموز الدولة وضمان الحقوق الفردية يظل من القضايا التي تستدعي نقاشاً قانونياً ومؤسساتياً هادئاً، يستحضر النصوص التشريعية والالتزامات الحقوقية والتحولات التي يعرفها المجتمع.
«لوموند» تعيد تسليط الضوء على ملفات الحريات بالمغرب
يعكس اهتمام صحيفة «لوموند» الفرنسية بهذه القضية استمرار متابعة الإعلام الفرنسي لملفات الحقوق والحريات في المغرب، إلى جانب القضايا السياسية والاستراتيجية والاقتصادية التي تشكل جزءاً من العلاقات بين البلدين.
غير أن تناول الصحافة الأجنبية للقضايا الوطنية يظل عملاً إعلامياً ينبغي التعامل معه من خلال التحقق من الوقائع، والعودة إلى المعطيات القانونية، واستحضار مواقف مختلف الأطراف المعنية، دون الخلط بين التغطية الصحفية والأحكام القضائية.
قضية تتجاوز الملف الفردي
إن أهمية هذه القضية لا ترتبط فقط بالحكم الصادر في حق فنان شاب، بل تمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل العلاقة بين القانون والفن وحرية التعبير في الفضاء الرقمي.
فكيف يمكن حماية المؤسسات ورموز الدولة من الإساءة وفق المقتضيات القانونية، وفي الوقت نفسه ضمان مساحة واضحة للإبداع الفني والنقد والتعبير السلمي؟ سؤال يفرض نقاشاً متوازناً يبتعد عن التشنج والأحكام المسبقة، ويستند إلى احترام القانون والحقوق والحريات.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مرحلة الاستئناف، ستظل القضية محط متابعة إعلامية وحقوقية، بالنظر إلى ما أثارته من نقاش حول حدود التعبير الفني، وطبيعة المسؤولية القانونية، ومدى الحاجة إلى مراجعة بعض المقتضيات المرتبطة بالنشر الرقمي.
ويبقى السؤال المطروح: هل تفتح قضية ياسر منبير نقاشاً وطنياً جاداً حول تحديث القوانين المنظمة لحرية التعبير والإبداع الفني، بما يضمن احترام المؤسسات وصون الحقوق الفردية في آن واحد؟
جريدة أصوات الوطنية – متابعة قضايا الحريات وحقوق الإنسان والشأن القانوني.
التعليقات مغلقة.