لا تقتصر فعاليات المهرجان على العروض السينمائية بل يتضمن البرنامج مجموعة من الأنشطة الثقافية والفنية والتكوينية التي تمنح التظاهرة طابعاً متعدد الأبعاد.
وتنطلق الفعاليات يوم 12 نوفمبر بكرنفال الصحراء السينمائي بمشاركة فرقة النجوم الخمسة للفنون الشعبية بمدينة دوز إلى جانب افتتاح المعرض المغاربي للصناعات التقليدية والمخيم السينمائي الوطني الشبابي والمخيم الشبابي السينمائي التلقائي قبل الافتتاح الرسمي بمسرح الهواء الطلق بالمنصورة.
كما يشهد البرنامج عروضاً سينمائية في الهواء الطلق وعروضاً رقمية على الرمال وعروضاً موجهة للأطفال فضلاً عن أمسيات شعرية وفنية وموسيقية بما يجعل المهرجان مساحة مفتوحة لمختلف الفئات والأذواق.
ويحضر التكوين بقوة من خلال ورشات متخصصة في الصورة والمكان، والفيلم الوثائقي والذاكرة والإخراج السينمائي، والنقد السينمائي، وتصميم الملصقات السينمائية والفنية إلى جانب التربية السينمائية في محاولة لتقريب أدوات الفن السابع من الشباب والمهتمين به.
ومن المحطات اللافتة أيضاً عروض الـMapping على واجهات المعالم التاريخية ومنها جامع عقبة بن نافع بتلمين والآثار القديمة بقبلي في تجربة تلتقي فيها التقنيات الرقمية بالذاكرة المعمارية والتراثية للمنطقة.
ويمنح البرنامج مساحة للفن الشعبي والهوية الصحراوية من خلال عروض الرسم على الرمال للفنان حبيب الغرابي ومشاركة المطربة البدوية حنان شمام والشاعر البدوي جمال بن عيسى إلى جانب فقرات فنية وموسيقية يشارك فيها فنانون من الجنوب التونسي.
كما تتضمن الفعاليات لقاءات سينمائية مفتوحة من بينها ماستر كلاس مع المخرج إبراهيم لطيف ولقاءات حول التجارب السينمائية المحلية فضلاً عن ندوة فكرية حوارية حول السينما والذكاء الاصطناعي في فضاء الصحراء الثقافي.
الشباب والمرأة.. الثقافة بوصفها فرصة للمشاركة
من أبرز الأبعاد التي يحملها المهرجان اهتمامه بالشباب من خلال المخيم السينمائي الوطني الشبابي في الصحراء الذي يأتي ثمرة شراكة مع المندوبية الجهوية للشباب والرياضة بقبلي.
ويهدف هذا المشروع إلى جمع الشباب الشغوفين بالفن السابع من مختلف جهات تونس وإتاحة الفرصة أمامهم لمتابعة ورشات تطبيقية في كتابة السيناريو والإخراج والتصوير والمونتاج والتمثيل أمام الكاميرا بإشراف مختصين ومهنيين.
كما يفتح المجال أمام إنتاج أفلام قصيرة ومشاركة الشباب بأعمالهم في إطار مسابقة خاصة بما يحول المهرجان من فضاء لمشاهدة الأفلام إلى مساحة لاكتشاف المواهب وصناعة تجارب سينمائية جديدة.
وتحضر المرأة الريفية بدورها ضمن الرؤية الثقافية للمهرجان من خلال تشجيع مشاركتها في الورشات والأنشطة وإتاحة الفرصة أمام الحرفيات لعرض منتجاتهن ضمن المعرض المغاربي للصناعات التقليدية. وهي خطوة تمنح الحرف المحلية مساحة للتعريف والإشعاع وتربط بين الثقافة والإنتاج والعمل.
حين تستفيد المنطقة من الثقافة
إن الأثر المنتظر من هذه المبادرات لا ينبغي قياسه بعدد الأفلام المعروضة أو الضيوف المشاركين وحدهم بل بما يمكن أن تتركه من حركية ثقافية واجتماعية واقتصادية في المنطقة والجنوب التونسي عموماً.
فاستقبال السينمائيين والضيوف والمهتمين بالفن السابع يساهم في التعريف بقبلي ومحيطها ويمنح الزوار فرصة لاكتشاف ما تختزنه من مقومات تاريخية وطبيعية وتراثية.
كما يفتح المجال أمام الصناعات التقليدية والأنشطة المحلية لتكون جزءاً من المشهد بما يعزز حضور المنطقة في خارطة السياحة الثقافية.

ويكتسب اختيار الصحراء فضاءً للعروض أهمية إضافية إذ يسعى المهرجان إلى تحويل الكثبان الرملية إلى شاشات طبيعية والخروج بالسينما من الفضاءات المغلقة إلى محيط مفتوح يتيح للجمهور تجربة فنية مختلفة.
إنها محاولة لإعادة اكتشاف المكان من زاوية جديدة وجعل البيئة الصحراوية عنصراً فاعلاً في التجربة السينمائية لا مجرد خلفية جغرافية لها.
والأهم من ذلك أن هذه التظاهرات تتيح للشباب المحلي الاحتكاك بتجارب جديدة وتمنح المواهب الناشئة مساحة للتعبير والمشاركة وتؤكد أن الإبداع ليس حكراً على المدن الكبرى أو المراكز الثقافية المعروفة.
فاللامركزية الثقافية لا تتحقق بمجرد نقل عرض أو نشاط إلى منطقة بعيدة وإنما بتوفير فرص مستمرة للتكوين والإنتاج والمشاركة وبناء جسور بين المبدعين والجمهور المحلي.
شباب يؤمنون بالمكان ويصنعون له موعداً مع العالم
في النهاية تبقى القيمة الأعمق لمثل هذه المبادرات مرتبطة بالإنسان الذي يقف وراءها.. فخلف كل تظاهرة ثقافية جهد تنظيمي وفكر ومبادرة، وساعات من العمل والتنسيق وإيمان بإمكانية إنجاز شيء مختلف انطلاقاً من إمكانات المنطقة نفسها.

وتستحق الجهود التي يبذلها شباب الجهة وأبناء الجديدة والمنصورة وكل المساهمين في تنظيم هذا الموعد وقفة تقدير فهم لا يعملون على تنظيم مهرجان سينمائي فحسب بل يسعون إلى منح منطقتهم مساحة أوسع للحضور، وإلى تحويل الانتماء للمكان إلى فعل ثقافي حي.
فالأماكن لا تصنع إشعاعها الجغرافي وحده بل يصنعه أيضاً أبناؤها حين يقررون ألا يتركوا ذاكرتهم حبيسة الماضي وأن يحولوا تاريخهم وهويتهم إلى مبادرات تفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة.
قبلي ليست مجرد فضاء لاحتضان مهرجان سينمائي بل أرض تحمل تاريخاً وهوية وذاكرة وتملك من مقومات الحضور ما يجعلها جديرة بأن تكون جزءاً من المشهد الثقافي التونسي والدولي.
ولعل أجمل ما يمكن أن تتركه هذه التظاهرة هو أن تظل السينما بعد انطفاء أضواء العروض حاضرة في ذاكرة المكان وأن يصبح هذا الموعد بداية لمسار ثقافي متواصل يؤكد أن للجنوب حقاً في الضوء وأن أبناءه قادرون على صناعة الحدث لا الاكتفاء بانتظاره.

التعليقات مغلقة.