أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الريع النقابي.. حين يتحول الدفاع عن الحقوق إلى نفوذ وامتيازات

منير المسري

يطرح تحول العمل النقابي في بعض المؤسسات إلى وسيلة لبناء مراكز نفوذ وفرض الامتيازات إشكالات حقيقية تتعلق بالحكامة الإدارية واحترام القانون، خاصة عندما يخرج الدور النقابي عن أهدافه الأساسية المرتبطة بالدفاع عن حقوق العاملين وصون مكتسباتهم، ليتحول إلى مجال لخدمة المصالح الشخصية والضيقة.

وتبرز خطورة هذه الممارسات عندما تصبح الصفة النقابية، في بعض الحالات، وسيلة لممارسة الضغط على الإدارة وفرض واقع يتجاوز حدود الاختصاصات المشروعة للعمل النقابي، بما قد يؤدي إلى نشوء ما يمكن وصفه بـ«الريع النقابي»، الذي يتحول تدريجياً إلى سلطة موازية داخل المؤسسة.

ولا تقف الإشكالية عند حدود الممارسات النقابية، بل تمتد أيضاً إلى طريقة تعامل بعض المسؤولين الإداريين معها، حيث قد يختار هؤلاء سياسة المسايرة وتجنب المواجهة، تحت ضغط الإكراهات المهنية والتعاقدية، أو خوفاً من انعكاسات الصدامات على مسارهم المهني وعلى تنفيذ برامجهم الإدارية.

ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه المسايرة إلى تنازلات متتالية، تساهم في تكريس مراكز النفوذ وتوسيع دائرة الامتيازات، على حساب مبدأ تكافؤ الفرص واحترام الضوابط القانونية والمؤسساتية.

وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة في قوة العمل النقابي أو استقلاليته، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لضمان التوازن داخل المؤسسات، وإنما في توظيف الصفة النقابية لتحقيق مصالح ضيقة، بعيداً عن الأهداف الجماعية التي تأسس عليها العمل النقابي. فالنقابة القوية هي التي تستمد مشروعيتها من مصداقيتها وقدرتها على الدفاع عن حقوق الشغيلة، وليس من قدرتها على فرض الامتيازات أو ممارسة الضغوط.

كما تطرح هذه الوضعية تساؤلات حول مسؤولية الإدارة في حماية استقلالية قراراتها، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، بعيداً عن منطق الترضيات والمساومات التي قد تضعف الثقة في المؤسسات وتؤثر على مناخ العمل.

وتتطلب معالجة هذه الاختلالات ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية في تدبير الموارد البشرية، مع التصدي لكل أشكال الزبونية وتضارب المصالح والامتيازات غير المستحقة، دون المساس بالحقوق النقابية أو استقلالية التنظيمات المهنية.

إن بناء مؤسسات قوية لا يتحقق بإضعاف العمل النقابي أو إخضاعه للإدارة، كما لا يمكن أن يستقيم بتحويل النقابة إلى سلطة فوق القانون، أو التعامل مع المؤسسة باعتبارها مجالاً لتقاسم النفوذ والمصالح.

وفي نهاية المطاف، يظل العامل والمؤسسة معاً أكبر المتضررين من استمرار مثل هذه الاختلالات، لأن الصمت عن الممارسات غير السليمة والمساومة على تطبيق القانون يضعفان الثقة في المؤسسات، ويفتحان المجال أمام تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.

التعليقات مغلقة.