العمل الحزبي في المغرب: بين استحقاق الكفاءات وسطوة «الإرث العائلي»
"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ "محمد عيدني" فاس
يشهد المشهد السياسي المغربي نقاشا متزايدا حول ظاهرة الحضور العائلي المكثف داخل قبة البرلمان والمؤسسات المنتخبة.
وتشير بعض المعطيات التي لا تزال بحاجة إلى توثيق رسمي إلى وجود حوالي 26 نائبا ونائبة من أصل 395 تجمعهم صلات قرابة يتوزعون على هيئات سياسية ودوائر انتخابية مختلفة.
هذا المعطى يطرح تساؤلات جوهرية تتجاوز مجرد سرد الأسماء لتلامس صلب الممارسة الحزبية ومستقبل الديمقراطية التمثيلية في البلاد.
من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد مانع يحرم أفراد الأسرة الواحدة من الترشح وتقلد المناصب متى استوفوا الشروط المطلوبة.
بيد أن الإشكال الحقيقي يتبلور عندما تتحول هذه الحالات إلى ظاهرة متكررة تطرح علامات استفهام كبرى حول مبدأ تكافؤ الفرص ومدى جدية الأحزاب في تجديد نخبها وضخ دماء جديدة في شرايينها.
هنا تبرز تساؤلات مشروعة: هل تراجعت جاذبية الأحزاب كفضاءات مفتوحة لاحتضان المناضلين الجدد والكفاءات لصالح انتقال غير معلن للمواقع السياسية بين أجيال العائلات ذاتها؟ وهل أضحت قوة الاسم العائلي وشبكة النفوذ المتوارث حاسمين في الفوز بالمقاعد الانتخابية في بعض الدوائر على حساب البرامج والعمل الميداني والاستحقاق؟
إن إثارة هذا الموضوع لا تقصد التشهير بأي برلماني أو توجيه اتهامات بخرق القانون أو تضارب المصالح بل تهدف أساسا إلى تعميق النقاش حول آليات فرز القيادات الحزبية وتجديدها.
ويزداد هذا النقاش إلحاحا في ظل وجود مدونة للأخلاقيات البرلمانية تلزم النواب بالتصريح بأي تضارب للمصالح لضمان الاستقلالية والتجرد، وفي سياق نظام داخلي يلح على التدبير الديمقراطي للعمل النيابي داخل الفرق والمجموعات.
إن جوهر المسألة لا يكمن في التساؤل عن “ابن من يكون هذا المرشح؟” بل في مساءلة الأحزاب حول قدرتها على ضمان مناخ يكفل تكافؤ الفرص لجميع الراغبين في ولوج المعترك السياسي.
فالممارسة الديمقراطية السليمة لا تختزل في عدد المقاعد المحصل عليها بل تتجلى في قدرة المؤسسات الحزبية على التطور المستمر وفتح أبوابها أمام الشباب والوجوه الجديدة لتكون الغلبة في المنافسة السياسية للبرامج والعمل والكفاءة وليس لبريق الأسماء العائلية وحدها.
وفي انتظار تفاعل حقيقي مع هذا المعطى الهام بعيدا عن الأحكام المسبقة يبقى السؤال معلقا أمام جميع الفاعلين والناخبين: هل نشهد اليوم مجرد تجديد طبيعي للنخب داخل أسر متمرسة سياسيا أم أننا أمام تكريس مقلق لتحويل العمل الحزبي إلى “إرث سياسي” مغلق؟

التعليقات مغلقة.