مداخل تعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية بالمغرب
"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ محمد عيدني
من تعدد قنوات المشاركة إلى بناء التأثير في القرار العمومي
لشهب محمد باحث في التدبير العمومي والمالية العامة
ملخص :
أصبحت المشاركة السياسية للشباب إحدى القضايا المركزية في النقاش المرتبط بمستقبل الديمقراطية وتجديد النخب وتحسين الحكامة وجودة السياسات العمومية. ولم تعد هذه المشاركة قابلة للاختزال في التصويت أو الانخراط الحزبي أو الترشح للانتخابات، بعدما أفرزت التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والسياسية أشكالاً جديدة من الفعل العام، تشمل الديمقراطية التشاركية، والعمل المدني، والفضاء الرقمي، والترافع، والاحتجاج السلمي.
وفي المغرب، اكتسب موضوع المشاركة الشبابية أهمية دستورية خاصة، لاسيما من خلال الفصل 33 من دستور 2011، الذي ألزم السلطات العمومية باتخاذ التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد. غير أن إقرار هذه المبادئ وتعدد القنوات القانونية والمؤسساتية للمشاركة لا يعنيان بالضرورة تحقق مشاركة قادرة على التأثير الفعلي في صناعة القرار العمومي.
وانطلاقا من هذه المفارقة، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أبرز المداخل التي يمكن من خلالها تعزيز موقع الشباب في الحياة السياسية المغربية، من خلال أربعة مسارات مترابطة: المشاركة في الديمقراطية التمثيلية، والديمقراطية التشاركية والفعل المدني، والمشاركة السياسية الرقمية، والاحتجاج السلمي.
وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التحدي الأساسي لا يرتبط فقط بمدى توفر قنوات المشاركة، وإنما بقدرتها على إنتاج تأثير سياسي ومؤسساتي ملموس ومستدام. لذلك، فإن الانتقال من منطق “إشراك الشباب” إلى منطق “تمكين الشباب” يقتضي إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الشباب والأحزاب والمؤسسات والمجتمع المدني والفضاء الرقمي.
وتخلص الدراسة إلى أن تعزيز الدور السياسي للشباب لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم حضورهم في المؤسسات أو بمستوى انخراطهم في الأنشطة السياسية، وإنما بمدى قدرتهم على المساهمة في تحديد الأولويات، وصياغة السياسات العمومية، ومراقبة تنفيذها، والمشاركة في تقييم نتائجها.
الكلمات المفتاحية: الشباب؛ المشاركة السياسية؛ التمكين السياسي؛ التأثير السياسي؛ الديمقراطية التمثيلية؛ الديمقراطية التشاركية؛ المجتمع المدني؛ المشاركة الرقمية؛ الاحتجاج السلمي؛ المغرب.
مقدمة: من المشاركة إلى التأثير
لم تعد قضية الشباب في الحياة السياسية مجرد مسألة مرتبطة بتجديد النخب أو ضمان استمرارية العمل السياسي، بل أصبحت مؤشرا أساسيا على قدرة النظام الديمقراطي على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية التي تعرفها المجتمعات الحديثة.
فالشباب يمثلون شريحة أساسية من المجتمع، وهم في الوقت ذاته من أكثر الفئات تفاعلا مع التحولات الرقمية والاجتماعية وأنماط التواصل الجديدة. ولذلك، فإن فهم علاقتهم بالسياسة لم يعد ممكناً من خلال مؤشرات المشاركة التقليدية وحدها.
لقد ارتبط مفهوم المشاركة السياسية، في صورته الكلاسيكية، بالتصويت والانخراط في الأحزاب السياسية والترشح للانتخابات والمشاركة في المؤسسات المنتخبة. غير أن تطور المجال العام أدى إلى ظهور أنماط أخرى من المشاركة، من بينها العمل الجمعوي، والمبادرات المدنية، والمشاورات العمومية، والترافع، والنشاط الرقمي، والاحتجاج السلمي.
وبذلك، لم يعد السؤال المركزي هو: هل يشارك الشباب في السياسة؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف يشاركون؟ وما مدى قدرة مشاركتهم على إنتاج أثر سياسي ومؤسساتي؟
وهذا التمييز أساسي، لأن المشاركة في حد ذاتها لا تعني بالضرورة التأثير. فقد يشارك الشاب في الانتخابات دون أن يصل إلى مواقع التمثيل، وقد يساهم في مشاورات عمومية دون أن تنعكس مقترحاته على القرار النهائي، كما يمكن أن يكون ناشطاً في الفضاء الرقمي دون أن ينتقل نشاطه إلى المجال المؤسساتي.
ومن هنا تظهر الفجوة بين المشاركة بوصفها حضوراً والمشاركة باعتبارها تأثيرا.
وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في المغرب، بالنظر إلى التحولات التي حملها دستور 2011، ولا سيما تكريسه لمبادئ الديمقراطية المواطنة والتشاركية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب إقرار عدد من الآليات التي تتيح للمواطنين والجمعيات المساهمة في الشأن العام.
كما خص الدستور الشباب بمقتضى صريح ضمن الفصل 33، الذي ينص على اتخاذ السلطات العمومية التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، فضلا عن النص على إحداث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي.
ويعكس هذا التوجه تحولا مهما في النظر إلى الشباب، من فئة مستفيدة من السياسات العمومية إلى فاعل يفترض أن تكون له مساهمة في إنتاجها وتقييمها.
غير أن التنصيص الدستوري، مهما بلغت أهميته، لا يشكل وحده ضمانة لتحقيق مشاركة سياسية مؤثرة، إذ تظل الفعالية مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات والآليات المعتمدة على تحويل الحقوق الدستورية إلى فرص حقيقية للتمكين والمساهمة في صناعة القرار.
وانطلاقا من ذلك، تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها:
إلى أي حد تستطيع قنوات المشاركة التمثيلية والتشاركية والرقمية والاحتجاجية أن تعزز موقع الشباب في الحياة السياسية بالمغرب، وأن تنقلهم من مجرد المشاركة في المجال العام إلى التأثير الفعلي في القرار العمومي؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية نقدية تستحضر الإطار الدستوري والمؤسساتي للمشاركة السياسية، وتقف عند إمكانات كل مدخل وحدوده، من خلال أربعة محاور أساسية.
أولا: الديمقراطية التمثيلية ورهان التمكين السياسي للشباب
تظل الديمقراطية التمثيلية الإطار الأساسي لتنظيم الحياة السياسية الحديثة، باعتبارها تقوم على اختيار المواطنين لممثليهم بواسطة الانتخابات، وعلى اضطلاع الأحزاب والمؤسسات المنتخبة بوظائف الوساطة والتمثيل وصناعة القرار.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز حضور الشباب في الحياة السياسية يمر، بالضرورة، عبر مشاركتهم في الانتخابات والأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
غير أن اختزال هذه المشاركة في ممارسة حق التصويت يظل غير كافٍ؛ فالتصويت يمنح الشاب فرصة اختيار ممثليه، لكنه لا يضمن له بالضرورة إمكانية أن يصبح هو نفسه ممثلاً أو صانعاً للقرار.
ومن هنا تبرز إحدى أهم الإشكالات المطروحة أمام الديمقراطية التمثيلية: كيف يمكن الانتقال بالشباب من موقع الكتلة الانتخابية إلى موقع الفاعل السياسي والتمثيلي؟
فالحق في الترشح والمشاركة الانتخابية، رغم أهميتهما القانونية، لا يعنيان بالضرورة تساوي الفرص في الوصول إلى مواقع القرار. إذ تتداخل في المسار الانتخابي عوامل تنظيمية وسياسية واجتماعية وحزبية تؤثر في فرص بروز الكفاءات الشابة.
كما أن المشاركة السياسية لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج، وإنما تبدأ قبل ذلك داخل الأحزاب السياسية، من خلال إعداد البرامج، وتحديد الأولويات، واختيار المرشحين، وصناعة المواقف.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسات أساسية للوساطة السياسية والتأطير.
فاستقطاب الشباب خلال الحملات الانتخابية لا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد، بل ينبغي أن تتيح التنظيمات الحزبية مسارات حقيقية للتكوين والتأهيل والمشاركة في صناعة القرار الداخلي.
فوجود عدد كبير من الشباب داخل حزب سياسي لا يعني بالضرورة تمكينهم سياسياً. وقد يكون حضورهم قوياً خلال الأنشطة والحملات الانتخابية، بينما يظل تأثيرهم محدوداً في تحديد البرامج أو اختيار المرشحين أو صياغة المواقف.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الإدماج السياسي والتمكين السياسي.
فالإدماج يعني فتح المجال أمام الشباب للحضور، بينما يعني التمكين منحهم القدرة الفعلية على المبادرة والتأثير وتحمل المسؤولية.
وعليه، فإن معيار المشاركة الشبابية داخل الديمقراطية التمثيلية لا ينبغي أن يقتصر على عدد الشباب داخل المؤسسات، وإنما ينبغي أن يمتد إلى قياس مدى حضورهم في مواقع المسؤولية وقدرتهم على التأثير في القرار.
ثانيا: الديمقراطية التشاركية والفعل المدني.. من الاستشارة إلى التأثير
شكل دستور 2011 محطة مهمة في توسيع مفهوم المشاركة السياسية بالمغرب، من خلال تعزيز الديمقراطية التشاركية وإقرار مجموعة من الآليات التي تسمح للمواطنين والجمعيات بالمساهمة في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية.
وتكتسي هذه الآليات أهمية خاصة بالنسبة للشباب، لأنها تتيح لهم المشاركة في الشأن العام خارج الأطر الحزبية التقليدية.
كما يوفر العمل الجمعوي والمبادرات المدنية فضاءات واسعة أمام الشباب للتعبير عن قضاياهم والدفاع عن مصالحهم والمساهمة في معالجة الإشكالات المجتمعية.
وبذلك، فإن الشاب الذي ينخرط في جمعية أو مبادرة مدنية أو عملية تشاور عمومي لا ينبغي اعتباره بعيداً عن السياسة لمجرد عدم انتمائه إلى حزب.
غير أن الديمقراطية التشاركية تطرح بدورها سؤالاً جوهرياً يتعلق بالفعالية.
فالمشاركة في المشاورات واللقاءات لا تكتسب معناها الكامل إلا إذا كانت مخرجاتها قادرة على التأثير في القرار العمومي.
ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة:
هل تتحول المقترحات المقدمة إلى سياسات؟هل يتم إخبار المشاركين بمآل مقترحاتهم؟هل توجد آليات واضحة لتفسير أسباب اعتماد المقترحات أو رفضها؟
فالمواطن لا يريد فقط أن يتم الاستماع إليه، وإنما يريد أن يعرف ما إذا كان لصوته أثر في القرار.
وبالنسبة للشباب، فإن هذه المسألة تكتسي أهمية أكبر، لأن المشاركة التي لا تتجاوز حدود الاستشارة قد تعزز الإحساس بأن حضورهم رمزي أكثر منه فعلي.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من استشارة الشباب إلى إشراكهم، ومن إشراكهم إلى تمكينهم من التأثير.
ثالثا: المشاركة الرقمية.. عندما ينتقل الفعل السياسي إلى الفضاء الافتراضي
أحدث التطور الرقمي تحولاً عميقاً في أنماط المشاركة السياسية، خصوصاً لدى الشباب.
فمنصات التواصل الاجتماعي أصبحت فضاءً للتعبير عن المواقف، وتبادل المعلومات، ومناقشة القضايا العامة، وتنظيم الحملات، والتعبئة حول المطالب الاجتماعية والسياسية.
وأصبح الشاب قادراً على التعبير عن موقفه والوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى المرور دائماً عبر المؤسسات أو التنظيمات التقليدية.
غير أن اعتبار النشاط الرقمي مشاركة سياسية مؤثرة في جميع الحالات قد يكون أمراً مبالغاً فيه.
فالتفاعل مع منشور سياسي لا يساوي بالضرورة مشاركة سياسية، وانتشار محتوى معين لا يعني تلقائياً إحداث تغيير في القرار العمومي.
ويمكن التمييز بين مستويات متدرجة للمشاركة الرقمية:
التعبير ← التفاعل ← إنتاج المحتوى ← التعبئة ← التنظيم ← الترافع ← التأثير.
وكلما انتقلت المشاركة من التعبير الفردي إلى التنظيم والترافع والتفاعل المؤسساتي، ازدادت قدرتها على إنتاج أثر سياسي ملموس.
لذلك، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم حضور الشباب في الفضاء الرقمي، وإنما بقدرتهم على تحويل هذا الحضور إلى فعل عمومي منظم.
فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون أداة مهمة للمساءلة والتوعية والتعبئة، لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن المشاركة المؤسساتية.
والتحدي الحقيقي يتمثل في بناء جسور بين المجال الرقمي والمؤسسات، بحيث تتحول القضايا التي يطرحها الشباب في الفضاء الافتراضي إلى موضوع للنقاش العمومي وصناعة القرار.
رابعا: الاحتجاج السلمي.. التعبير عن المطالب واختبار استجابة المؤسسات
يمثل الاحتجاج السلمي إحدى صور التعبير الجماعي عن المطالب والمواقف، وقد أصبح جزءاً من المشهد العام للمشاركة السياسية والاجتماعية.
ولا ينبغي النظر إلى الاحتجاج السلمي باعتباره بالضرورة نقيضاً للمؤسسات، إذ يمكن أن يكون وسيلة مشروعة لإثارة قضايا لم تجد طريقها إلى القنوات المؤسساتية.
وقد يكشف الاحتجاج عن وجود فجوة بين انتظارات المواطنين وأداء المؤسسات، كما يمكن أن يدفع إلى إعادة إدراج قضايا معينة ضمن أجندة النقاش العمومي.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاحتجاج باعتباره نوعاً من الإنذار الديمقراطي الذي يلفت انتباه المؤسسات إلى مطالب اجتماعية أو سياسية تحتاج إلى المعالجة.
لكن الاحتجاج لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن المؤسسات، كما أن المؤسسات لا يمكن أن تتجاهل الرسائل التي يحملها الاحتجاج السلمي.
والحل يكمن في بناء علاقة متوازنة تقوم على الاستماع والحوار والتفاعل وتحويل المطالب المشروعة إلى سياسات وقرارات قابلة للتنفيذ.
فالقيمة الديمقراطية للاحتجاج لا تقاس فقط بحجم الحضور في الشارع، وإنما بقدرته على فتح مسار للحوار والترافع والتفاعل المؤسساتي.
خامسا: من تعدد قنوات المشاركة إلى بناء التأثير
يكشف تحليل المداخل السابقة أن الشباب في المغرب أصبحوا يتوفرون على قنوات متعددة للمشاركة السياسية.
فهناك:
الانتخابات والأحزاب والمؤسسات المنتخبة؛
الديمقراطية التشاركية والعمل الجمعوي؛
الفضاء الرقمي؛
الترافع والمبادرات المدنية؛
الاحتجاج السلمي.
لكن تعدد هذه القنوات لا يعني بالضرورة تحقق التأثير السياسي.
وهنا ينبغي إعادة صياغة السؤال من:
كيف نزيد مشاركة الشباب؟
إلى:
كيف نجعل مشاركة الشباب مؤثرة في القرار؟
فقد يشارك الشاب في الانتخابات دون أن يصبح ممثلاً، ويشارك في المشاورات دون أن يجد مقترحه طريقه إلى القرار، وينشط رقمياً دون أن ينتقل نشاطه إلى المجال المؤسساتي، ويشارك في احتجاج سلمي دون أن تتحول مطالبه إلى سياسة عمومية.
وبالتالي، فإن معيار نجاح المشاركة لا ينبغي أن يكون حجم الحضور فقط، وإنما الأثر الذي تتركه هذه المشاركة في السياسات والقرارات والمؤسسات.
ومن هنا يمكن تصور المشاركة السياسية للشباب ضمن مسار متكامل:
المشاركة → التنظيم → الترافع → الحوار → التأثير → المساءلة.
وكلما كانت المؤسسات قادرة على استقبال هذه المسارات والتفاعل معها، ازدادت فرص بناء علاقة أكثر ثقة بين الشباب والمؤسسات.
سادسا: شروط الانتقال من الإدماج إلى التمكين
إن تعزيز الموقع السياسي للشباب يتطلب تجاوز مجموعة من المقاربات التقليدية التي تختزل حضورهم في الأنشطة الموسمية أو الحملات الانتخابية.
ويقتضي الأمر، في المقابل، العمل على مجموعة من المداخل العملية، من أبرزها:
أولا: تعزيز التربية والتكوين السياسي.فالمشاركة الفعالة تحتاج إلى معرفة بالقوانين والمؤسسات وآليات صناعة القرار.
ثانيا: تطوير المسارات الحزبية أمام الشباب.بحيث لا يقتصر دورهم على التعبئة الانتخابية، وإنما يمتد إلى صناعة البرامج واختيار المرشحين وتحمل المسؤوليات.
ثالثا: تقوية آليات الديمقراطية التشاركية.مع ضمان تتبع مخرجات المشاورات وإخبار المشاركين بمآل مقترحاتهم.
رابعا: تطوير المشاركة الرقمية المسؤولة.من خلال تشجيع الترافع المبني على المعطيات والمعلومات الموثوقة، وربط النشاط الرقمي بالفعل المؤسساتي.
خامسا: فتح قنوات حقيقية للحوار مع الشباب.بحيث لا تكون المؤسسات مطالبة فقط بدعوة الشباب إلى المشاركة، وإنما مطالبة أيضاً بإثبات أن مشاركتهم تحدث فرقاً.
سادسا: اعتماد مؤشرات لقياس التأثير.فلا ينبغي تقييم السياسات الموجهة للشباب بعدد الأنشطة واللقاءات فقط، وإنما بمدى مساهمتها في إدماج الشباب في مواقع القرار وفي إنتاج السياسات العمومية.
خاتمة: الشباب شركاء في صناعة القرار
يظهر من خلال تحليل مختلف مداخل المشاركة السياسية أن الإشكال المطروح أمام الشباب في المغرب لا يرتبط فقط بغياب قنوات المشاركة، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج تأثير فعلي ومستدام.
فالديمقراطية التمثيلية تمنح الشباب حق التصويت والترشح، لكنها تحتاج إلى ضمان فرص أكبر للوصول إلى مواقع التمثيل وصناعة القرار.
والديمقراطية التشاركية تفتح أمامهم المجال للمساهمة في النقاش العمومي، لكنها تحتاج إلى تعزيز أثر مخرجاتها.
أما الفضاء الرقمي فقد منح الشباب أدوات غير مسبوقة للتعبير والتعبئة، غير أن قوته الحقيقية تظهر عندما يستطيع الانتقال من التفاعل الافتراضي إلى التأثير الواقعي.
في حين يشكل الاحتجاج السلمي وسيلة للتعبير عن المطالب، لكنه يصبح أكثر فاعلية عندما يفتح الطريق أمام الحوار والترافع والتفاعل المؤسساتي.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين هذه المداخل، وإنما في تحقيق التكامل بينها.
فالمطلوب ليس مجرد شباب يشاركون، وإنما شباب يمتلكون القدرة على التأثير.
وليس المطلوب فقط أن تستمع المؤسسات إلى الشباب، وإنما أن تتيح لهم مسارات حقيقية للمساهمة في صناعة القرار.
كما أن الشباب لا ينبغي أن يظلوا مجرد فئة مستهدفة بالسياسات العمومية، بل ينبغي أن يصبحوا شركاء في إعدادها وتنفيذها وتقييمها.
ومن هنا، فإن إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات تمر أساسا عبر جعل المشاركة ذات معنى ونتيجة.
فحين يقتنع الشاب بأن صوته مسموع، وأن مقترحه قابل للتأثير، وأن مشاركته يمكن أن تفتح أمامه طريقاً لتحمل المسؤولية، تصبح السياسة مجالاً للفعل والمبادرة بدل أن تكون مجرد فضاء للمراقبة من بعيد.
إن مستقبل المشاركة السياسية للشباب في المغرب لن يتحدد فقط بمدى استعدادهم للمشاركة، وإنما كذلك بقدرة المؤسسات والأحزاب والفاعلين المدنيين على توفير بيئة سياسية تسمح لهم بتحويل المشاركة إلى تأثير.
فالرهان الحقيقي ليس أن يكون الشباب حاضرين في الحياة السياسية، وإنما أن يكونوا شركاء في صناعة القرار وصياغة مستقبل البلاد.

التعليقات مغلقة.