المنتخبات الوطنية وعقدة الكأس الإفريقية
"جريدة أصوات" المصطفى الوداي "مراكش"
لم يتمكن المنتخب المغربي للسيدات من بلوغ نهائي كأس افريقيا للأمم 2026 ، بعدما عجز عن تجاوز عقبة منتخب الكاميرون الذي حسم بطاقة العبور لصالحه بالركلات الترجيحية ،عقب انتهاء الوقت الأصلي والأشواط الإضافية بنتيجة البياض، في المباراة التي جمعت بينهما بملعب مولاي الحسن بالرباط مساء يوم الأربعاء 12 غشت 2026 ،
إقصاء جديد خلف صدمة كبيرة لدى الجماهير المغربية التي كانت تمني النفس بمشاهدة المنتخب الوطني للسيدات يخوض النهائي ولما لا الفوز باللقب، بعدما وفرت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم كل الظروف والإمكانيات اللازمة، ووضعت رهن إشارة المنتخب طاقما وإمكانيات لوجستيكية ومادية كبيرة أملا في تكوين منتخب قادر على المنافسة على اللقب الإفريقي، الذي استعصى طويلا على المنتخبات الوطنية رجالا ونساء ،
أخطاء “فيلدا” تحت المجهر :
ولم يكن الإقصاء أمام الكاميرون مجرد خسارة بالركلات الترجيحية، بل أعادت للأذهان سيناريوهات مؤلمة عاشتها كرة القدم المغربية في السنوات الأخيرة،
فلقد عاش الجمهور المغربي لحظات متشابهة عندما أضاعت فاطمة تكناوت ركلة الجزاء في الدقائق الأخيرة من المباراة، لتتحول فرصة حسم التأهيل إلى ضربة موجعة في مشهد أعاد للذاكرة ركلة الجزاء الذي أهدرها ابراهيم دياز في آخر أنفاس مباراة المنتخب المغربي للرجال ضد منتخب السينغال، والتي كانت قد تمنح أسود الأطلس فرصة حسم مواجهة حاسمة في مشوارهم الإفريقي ،
وإذا كان الخروج أمام الكاميرون بركلات الترجيح يمكن في ظاهره، أن ينسب للحظ، فإن قراءة تفاصيل المباراة تكشف أن المسؤولية التقنية يتحملها خورخي فيلدا الذي ارتكب مجموعة من الأخطاء في اختياراته، سواء على مستوى التشكيلة الأساسية أو طريقة تدبير المباراة أو التغييرات التي أقدم عليها في مراحلها الحاسمة ،
وإن كان الوصول إلى نهائي كأس افريقيا للسيدات سنة 2022 قد اعتبر أنذاك انجازا مهما بالنظر إلى أن المنتخب المغربي كان قد اعتاد مغادرة المنافسة في
أدوار مبكرة، فإن طموحات الجامعة والجماهير ارتفعت بعد ذلك بشكل كبير ، فتنظيم المغرب لثلاثة دورات، واستثمار امكانيات مالية ولوجستيكية مهمة كان يفترض أن يتحول إلى تتويج قاري، وليس فقط بلوغ الأدوار المتقدمة،
ففي سنة 2022 بلغ المنتخب المغربي النهائي تحت قيادة المدرب الفرنسي بيدروس، لكنه خسر النهاية أمام جنوب افريقيا بهدفين لواحد، ورغم مرارة الهزيمة فقد اعتبرت المشاركة ناجحة بالنظر إلى التحول الذي عرفه منتخب السيدات ووصوله لأول مرة إلى المباراة النهائية ،
لكن الرهان الأكبر جاء مع المدرب الإسباني خورخي فيلدا الذي تم التعاقد معه على أساس بناء منتخب قادر على المنافسة على أعلى مستوى ، مستفيدا من الإستقرار والإمكانيات والمدة الزمنبة الكافية للعمل ،
غيرأن حصيلة هذا الرهان تطرح أكثر من علامات استفهام :
ففي نسخة 2024 التي أحتضنها المغرب أيضا، فشل المنتخب في تحقيق اللقب، بعدما انهزم أمام منتخب نيجيريا ب 2-3، رغم أن المنتخب أنهى الشوط الأول متقدما ب 2-0 ، وفي نسخة 2026 توقفت المسيرة في نصف النهائي، ليبقى حلم التتويج القاري مؤجلا من جديد ،
وهنا يفرض السؤال نفسه ماذا أضاف خورخي فيلدا إلى المنتخب خلال الفترة التي قضاها على رأس الجهاز الفني رغم كل الإمكانيات التي وضعت رهن إشارته ؟
وفقا لما اظهرته المباريات لم يبدو مقنعا،
فاللمسة الفنية للمدرب الإسباني ظلت في كثير من الأحيان غائبة، ولم يظهر المنتخب بأسلوب لعب واضح ومستقر كما لم تضح معالم خطة تكتيكية قادرة على منح اللاعبات حلولا جماعية في المباريات الصعبة، وفي مناسبات عديدة بدا المنتخب معتمدا أكثر على المهارات الفردية للاعبات، وعلى المبادرة الشخصية، بدل بناء منظومة جماعية متكاملة ،
مباراة الكاميرون أبرزت الكثير من الإختلالات أبرزها التراجع البدني، وصعوبة إيجاد الحلول الهجومية، إضافة إلى استمرار الإعتماد على اللاعبات المخضرمات دون أن يواكب ذلك بالقدر الكافي إعداد جيل جديد قادر على حمل المشعل ،
وهنا تبرز مسألة لا تقل أهمية : أين هي سياسة تكوين الخلف ؟
فالمنتخب الذي يطمح للمنافسة على الألقاب لا يمكن أن يظل رهين مجموعة محدودة من اللاعبات مهما كانت قيمتهن وتجريبتهن، المطلوب هو فتح الباب أمام المواهب الصاعدة ومنح اللاعبات الواعدات فرصة الإحتكاك بالمستوى العالي، مع اللعب خارج المغرب ومواجهة منتخبات افريقية بعقر دارهن، حتى يكون المنتخب قادرا على تجديد نفسه دون التأثير على تنافسيته ،
لقد انفقت الجامعة الكثير ووفرت ظروفا لم تكن متاحة لمنتخب السيدات في السابق، ورفعت سقف الطموحات إلى مستوى المنافسة على اللقب الإفريقي ،
لكن ضخ الإمكانيات وحده وجلب مدرب حاز على كأس العالم، لا يصنع منتخبا بطلا، ما لم يواكبه مشروع فني واضح وتقييم مستمر للعمل، وقدرة على تصحيح الأخطاء ،
واليوم بعد فشل المنتخب المغربي في بلوغ نهائي كأس افريقيا ، يعود السؤال الذي أصبح يفرض نفسه بقوة :
هل سيغادر خورخي فيلدا المنتخب المغربي للسيدات بعد هذا الإقصاء، أم سيستمر في قيادة المنتخب إلى نهائيات كأس العالم بالبرازيل 2027 ؟
القرار لن يكون تقنيا فقط ، بل سيكون اختبارا حقيقيا لقدرة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على تقييم حصيلة مشروع كامل، بعيدا عن الحسابات العاطفية أو الإكتفاء بمجرد الوصول إلى الأدوار المتقدمة ،
فالكرة المغربية رجالا وسبدات لم تعد تبحث عن المشاركة المشرفة أو الوصول إلى الأدوار النهائية، لقت تغيرت الطموحات وارتفع سقف الإنتظارات ،
المطلوب اليوم هو الكأس وليس الإقتراب منها فقط ،
وإلى أن يتحقق ذلك تظل عقدة الكأس الإفريقية قائمة ،رغم كل الإمكانيات وكل الطموحات.

التعليقات مغلقة.