أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

نتائج الاقتراع وسلوك الدولة: قراءة تاريخية وسوسيولوجية في فكر محمد الناجي

"جريدة أصوات" الرباط

​يقدم المفكر وعالم الاجتماع المغربي محمد الناجي مقاربة تفكيكية تتجاوز القراءة الكمية لنتائج الانتخابات لتبحث في الجذور العميقة لسلوك الدولة في العالم العربي عموماً والمغرب خصوصا.

ترتكز هذه القراءة على دمج البعد التاريخي لبنية السلطة مع التحليل السوسيولوجي لآليات الضبط الاجتماعي معتبرة أن الاقتراع ليس أداة للتغيير بل تقنية لإعادة الإنتاج.

​1. الجذور التاريخية: التحديث الشكلي واستمرارية السلطة

​تاريخيا لم تنشأ المؤسسات الانتخابية في المنطقة كنتيجة لتعاقد اجتماعي أو صراع طبقي كما حدث في الديمقراطيات الغربية بل تم استيرادها كواجهة حداثية لتلبيس بنية سلطوية تقليدية.
​الاقتراع كـ “بيعة حديثة”: يرى الناجي أن سلوك الدولة لم يقطع مع الماضي السلطوي القائم على ثنائية (الراعي والرعية). بالتالي، تحولت صناديق الاقتراع من آلية ديمقراطية للمحاسبة وتداول السلطة إلى طقس سياسي حديث لتجديد الولاء وتأكيد هيمنة المركز.
​مركزية القرار: تبقى السلطة الاستراتيجية وصناعة القرار السيادي خارج اللعبة الانتخابية والمؤسسات المفرزة عنها مما يجعل نتائج الاقتراع غير مؤثرة في جوهر السياسات العامة.

​2. الهندسة السوسيولوجية لنتائج الاقتراع

لا تترك الدولة نتائج الانتخابات لتقلبات المزاج الشعبي بل تتدخل بشكل بنيوي عبر “هندسة سوسيولوجية وقانونية” تضمن مخرجات تخدم استقرار النظام:
​الاعتماد على النخب التقليدية (الأعيان): تعتمد الدولة في البوادي والأطراف على أصحاب النفوذ المالي والقبلي لجمع الأصوات.

هذا السلوك يفرغ الاقتراع من دلالته السياسية والأيديولوجية ويحوله إلى شبكة من الولاءات الزبونية ومقايضة للمصالح.
​التشظي الحزبي والقوانين الانتخابية: يصمم التقطيع الترابي والقوانين الانتخابية (مثل القاسم الانتخابي) بطريقة تمنع أي قوة سياسية من تحقيق أغلبية مطلقة. يفرض هذا السلوك بلقنة المشهد السياسي، مما يجعل الأحزاب دائما في حاجة إلى رعاية “الدولة” وتوجيهاتها لتشكيل التحالفات الحكومية.

​3. سوسيولوجيا العزوف: المقاطعة كموقف سياسي

يقدم الناجي قراءة مغايرة للأرقام المتعلقة بالمقاطعة الواسعة وتدني نسب المشاركة:
​غياب الوهم الديمقراطي: العزوف ليس دليلا على كسل مجتمعي أو نقص في الوعي بل هو نتاج وعي جمعي بأن نتائج الاقتراع محسومة سلفا ولا تؤدي إلى تغيير في موازين القوى.
​سحب الشرعية: يترجم الامتناع عن التصويت أزمة ثقة عميقة فهو حكم سوسيولوجي قاس بسحب “الشرعية الشعبية” من مؤسسات الواجهة مما يكشف الفجوة الواسعة بين المجتمع الديناميكي والدولة التقليدية.

​4. تحويل “المواطن” إلى “رعية” في صناديق الاقتراع

في قلب المشروع الفكري للناجي تبرز إشكالية غياب فكرة “المواطنة” في سلوك الدولة الانتخابي:
​استغلال الهشاشة: من خلال تهميش قطاعات واسعة اقتصاديا وتعليميا يتحول الناخب من “مواطن” حر يمتلك صوتا مستقلا إلى “زبون” أو “رعية” يسهل استمالته بالمال الانتخابي أو بالوعود الريعية.
​تأبيد التبعية: المؤسسات الناتجة عن هذا النوع من الاقتراع لا تمثل إرادة الناخبين لكي تدافع عن حقوقهم بل تمثل مصالح النخب التي استثمرت فيها وتظل خاضعة لإرادة السلطة المركزية التي منحتها مساحة التواجد.

​خلاصة تحليلية: تقرأ نتائج الاقتراع في فكر محمد الناجي ليس كمؤشر على التطور الديمقراطي بل كأداة سوسيولوجية تستخدمها الدولة لتدبير التوازنات ترويض النخب السياسية وإضفاء شرعية شكلية على بنية حكم ترفض التخلي عن جوهرها السلطوي التقليدي.

التعليقات مغلقة.