أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

أعراف التحالفات وحسابات الأرقام: حينما يتحول البروتوكول إلى رسالة سياسية مشفرة

"جريدة أصوات" ​بقلم: "محمد عيدني"

في أبجديات العمل السياسي والتدبير الحزبي لا تقتصر المشاورات الحكومية على توزيع الحقائب ومناقشة البرامج المشتركة فحسب بل تتجاوز ذلك لتشمل تفاصيل بروتوكولية دقيقة غالبا ما تحمل في طياتها رسائل سياسية عميقة لا تخطئها عين المراقب.

ولعل ما رافق الجولة الأخيرة من مشاورات ترميم أو تشكيل الأغلبية وتحديدا التفاعلات التي صاحبت التواصل مع حزب الحركة الشعبية يطرح أكثر من علامة استفهام حول منهجية تدبير التحالفات في مشهدنا السياسي الحالي.
​لقد توقف الكثيرون عند تفصيل قد يبدو للوهلة الأولى تقنيا والمتمثل في تأخر الاتصال بالسيد محمد أوزين الأمين العام لحزب الحركة الشعبية إلى حدود الساعة السادسة مساء من طرف السيدة فاطمة الزهراء المنصوري غير أن القراءة المتأنية لهذا المعطى في سياق الممارسة السياسية المغربية، تؤكد أن التوقيت وترتيب الاتصالات في مثل هذه المحطات المفصلية لا يخضع للصدفة بل يعكس تموقعا واعتبارا سياسيا.

​هذا التأخير، الذي اعتبره قياديو الحزب تهميشا غير مبرر قوبل برد فعل يحمل دلالات واضحة فتأجيل التجاوب مع الاتصال لم يكن سوى تعبير عن استياء عميق من وضع الحزب في ذيل لائحة المشاورات وهو موقف يدافع عن الكبرياء الحزبي وعن ضرورة احترام الأوزان الانتخابية.
​وهنا تبرز مفارقة الأرقام والمواقع فحزب الحركة الشعبية ليس طارئا على المشهد السياسي أو الحكومي كما أن رصيده الانتخابي المتمثل في 29 مقعدا برلمانيا يمنحه ثقلا لا يمكن تجاوزه بسهولة في معادلات الأغلبية والمعارضة.

إن كتلة نيابية بهذا الحجم تفرض، وفق الأعراف الديمقراطية مقاربة تفاوضية تضع الحزب في صلب الاهتمام المبكر، وليس في خانة الخيارات المكملة للنصاب.

​إن بناء تحالفات حكومية قوية ومنسجمة يتطلب، قبل الاتفاق على الميثاق الحكومي، بناء جسور من الثقة والاحترام المتبادل بين القيادات الحزبية.

وما حدث يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة فإما أن يتم تدارك هذا الخلل البروتوكولي بإعادة الاعتبار السياسي للحزب واستيعاب ثقله في المشهد أو أن تدفع هذه المنهجية حزب الحركة الشعبية إلى الاصطفاف في موقع المعارضة مستثمرا كتلته النيابية لتشكيل جبهة رقابية قوية داخل قبة البرلمان.

​في المحصلة تذكرنا هذه الواقعة بأن السياسة ليست مجرد أرقام ومقاعد بل هي أيضا فن إدارة التوازنات واحترام المقامات السياسية.

وأي استخفاف بهذه الأعراف قد يكلف التحالفات تماسكها ويفرز مشهدا سياسيا تسوده الهشاشة والتوترات المستترة.

التعليقات مغلقة.