البام والحركة الشعبية.. حين تتحول حسابات الأغلبية إلى رسائل سياسية
"جريدة أصوات" الرباط
الرباط – مع دخول مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة الحسابات الدقيقة بدأت ملامح الخريطة السياسية المقبلة تتجاوز مجرد توزيع المقاعد لتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة التحالفات وحدود التفاوض بين مكونات الأغلبية المحتملة.
ويأتي حزب الأصالة والمعاصرة في قلب هذه المعادلة بعدما تصدر الانتخابات التشريعية بـ97 مقعدا متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا فيما حصل حزب الحركة الشعبية على 29 مقعدا.
وقد أكدت النتائج النهائية هذه الأرقام رسميا.
وفي خضم هذه الحسابات، تبرز فرضية أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، بمجموع يصل إلى 208 مقاعد، أي فوق عتبة الأغلبية المطلوبة، وهو ما يجعل دخول الحركة الشعبية في هذه الصيغة ممكناً، لكنه لا يجعلها بالضرورة الطرف الوحيد القادر على توفير الأغلبية.
رسالة سياسية تحت سقف الحسابات
ما يجري يمكن قراءته سياسيا باعتباره رسالة مفادها أن تشكيل الأغلبية المقبلة لن يكون رهينا بموقف حزب واحد مهما كانت أهميته داخل الخريطة البرلمانية.
فالحزب الذي يقود المشاورات يمتلك بحكم تصدره الانتخابات هامشا واسعا في البحث عن التركيبة التي يرى أنها قادرة على توفير أغلبية مستقرة.
وفي المقابل فإن الأحزاب التي تدخل المشاورات تدرك أن موقعها التفاوضي مرتبط بعدد مقاعدها وبمدى الحاجة إليها داخل الصيغة النهائية.
ومن هذه الزاوية فإن الحديث عن أغلبية تتجاوز 200 مقعد يحمل دلالة سياسية واضحة: الأغلبية يمكن أن تتوسع وبالتالي فإن هامش المناورة أمام كل حزب يبقى مرتبطاً بقدرته على تقديم شروط قابلة للتفاوض.
الحركة الشعبية.. أغلبية أم معارضة؟
الحركة الشعبية توجد بدورها أمام مرحلة سياسية دقيقة.
فالحزب الذي حصل على 29 مقعدا أصبح جزءا من الحسابات الممكنة لتشكيل الأغلبية بعدما عقد لقاء مع رئيسة الحكومة المكلفة في إطار مشاورات تشكيل الحكومة.
لكن المشاركة في الحكومة ليست قرارا آليا وإنما نتيجة تفاوض سياسي حول البرنامج، والحقائب، وموقع الحزب داخل الأغلبية ومدى قدرته على الدفاع عن أولوياته.
وفي حال تعذر الوصول إلى تفاهمات، فإن الانتقال إلى المعارضة يظل خيارا سياسيا قائما خصوصا أن المعارضة نفسها ستحتاج إلى إعادة ترتيب صفوفها بعد النتائج الجديدة.
وهنا تصبح الرسالة المتبادلة أكثر وضوحا: الحركة الشعبية تفاوض من أجل موقعها والبام يبحث عن أغلبية قادرة على الاستمرار وكل طرف يدرك أن البدائل السياسية موجودة.
208 مقاعد.. رقم يغير قواعد التفاوض
الحسابات البرلمانية الحالية تكشف أن صيغة البام والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري تصل إلى 208 مقاعد وهي أغلبية تتجاوز عتبة التنصيب بعشرة مقاعد.
كما يمكن وفق بعض السيناريوهات المتداولة توسيع هذه القاعدة بإضافة أحزاب أخرى.
وهذا الرقم لا يمثل مجرد عملية حسابية، بل يؤثر مباشرة في ميزان التفاوض.
فكلما اتسعت دائرة البدائل أمام رئيسة الحكومة المكلفة أصبح بالإمكان بناء أغلبية متعددة المكونات بما يقلل من ارتباط تشكيل الحكومة بمشاركة طرف بعينه.
وفي المقابل، فإن توسيع الأغلبية قد يكون له ثمن سياسي إذ كلما ارتفع عدد مكوناتها ارتفعت الحاجة إلى تنسيق أكبر بشأن البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات والالتزامات السياسية.
هل يريد البام فعلا توسيع الأغلبية؟
السؤال المطروح ليس فقط: من سيدخل الحكومة؟ بل أيضا: ما الحجم الذي تريده قيادة البام للأغلبية المقبلة؟
فالأغلبية الواسعة تمنح الحكومة هامشا برلمانيا أكبر لكنها في الوقت نفسه تعني تعدد المطالب والمواقع داخلها.
أما الأغلبية الأكثر انسجاما فقد تكون أقل عددا لكنها تحتاج إلى قدر أكبر من الانضباط والتوافق بين مكوناتها.
وبالتالي فإن أي إشارة سياسية تصدر عن البام بشأن عدد المقاعد التي يمكن أن تؤمنها الأغلبية ينبغي قراءتها في إطار المشاورات والتفاوض، وليس باعتبارها إعلانا مسبقا عن الصيغة النهائية للحكومة.
منطق “نحتاجكم” أم منطق “يمكننا الاستغناء عنكم”؟
هنا تكمن حساسية المرحلة.
ففي المفاوضات السياسية لا يتعلق الأمر فقط بمن يحتاج إلى من، وإنما بحجم البدائل المتاحة لكل طرف.
والحركة الشعبية بحكم 29 مقعدا يمكن أن تكون مكونا مهما في صيغة الأغلبية لكن الأرقام تظهر في الوقت نفسه إمكانية بناء صيغ أخرى تتجاوز عتبة الأغلبية.
وهذا يجعل التفاوض بين الطرفين محكوما بقاعدة بسيطة: لا أحد يدخل الحكومة فقط لأنه يملك عددا من المقاعد، ولا أحد يستبعد فقط لأنه يملك عددا محدودا منها الفيصل هو الاتفاق السياسي حول شكل الأغلبية وبرنامجها.
المعارضة ليست نهاية الطريق
وفي حال لم تنجح المشاورات في الوصول إلى تفاهم، فإن انتقال الحركة الشعبية إلى المعارضة سيكون بدوره تطوراً مهماً في المشهد السياسي الجديد.
فالمعارضة تحتاج إلى أحزاب تمتلك حضورا برلمانيا وقدرة على مراقبة العمل الحكومي وتقديم البدائل وليس مجرد رفض الأغلبية.
ومن هذه الزاوية فإن وجود الحركة الشعبية خارج الحكومة، إن حدث سيضع الحزب أمام مسؤولية بناء خطاب معارض واضح خصوصا في ظل برلمان أفرزته انتخابات أعادت ترتيب موازين القوى بين مختلف الأحزاب.
الخلاصة
المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات 2026 دخل مرحلة جديدة عنوانها الأساسي التفاوض على الوزن السياسي داخل الأغلبية.
والبام باعتباره الحزب المتصدر للانتخابات، يمتلك موقعا مركزيا في هذه المشاورات فيما تبحث الحركة الشعبية عن موقع يتناسب مع حضورها البرلماني وخياراتها السياسية.
وبين خيار المشاركة في الأغلبية وخيار الاصطفاف في المعارضة تبدو الرسالة الأهم التي تفرضها الأرقام هي أن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون رهينا بحزب واحد وأن كل طرف سيحتاج إلى احتساب موقعه وفق حجم تأثيره وقدرته على التفاوض.
وفي نهاية المطاف لن تحسم هذه المعركة الأرقام وحدها بل ستحددها نتائج المشاورات وطبيعة البرنامج الحكومي ومدى قدرة مكونات الأغلبية على بناء تفاهم سياسي مستقر وقابل للاستمرار.
صغته هنا بلغة صحفية تحليلية قوية مع تجنب تقديم فكرة أن البام «يوجه ضربة» للحركة الشعبية كحقيقة مؤكدة بل جعلتها قراءة سياسية مستندة إلى حسابات الأغلبية والمشاورات.

التعليقات مغلقة.