يتصدر الأمن المائي قائمة التحديات الاستراتيجية التي تواجه المغرب، في ظل توالي فترات الجفاف، وتزايد تأثيرات التغيرات المناخية، وارتفاع الطلب على المياه بفعل النمو الديمغرافي واتساع الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية. ولم يعد تدبير الموارد المائية شأناً مرتبطاً بالتقلبات المناخية فحسب، بل أصبح قضية محورية تتداخل فيها رهانات الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي وحماية الأنظمة البيئية.
وفي هذا السياق، يندرج المؤتمر السنوي الثالث حول الماء، المقرر ضمن برنامج الأنشطة ليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، باعتباره مناسبة لمواصلة النقاش حول إشكالات تدبير الموارد المائية، واستعراض التحديات التي تفرضها ندرة المياه، والبحث عن حلول عملية لتعزيز الأمن المائي على المديين المتوسط والبعيد.
الإجهاد المائي يفرض مراجعة أساليب التدبير
تواجه الموارد المائية بالمغرب ضغوطاً متزايدة نتيجة تداخل عوامل مناخية وبشرية، من بينها تراجع التساقطات خلال فترات متعاقبة، وارتفاع درجات الحرارة، وتنامي الطلب على المياه في القطاعات الفلاحية والصناعية والحضرية.
وتنعكس هذه الوضعية على مستويات ملء السدود ومخزون المياه الجوفية، كما تتفاوت آثارها بين الجهات وفقاً لطبيعة الموارد المتاحة وحجم الاستهلاك والخصائص المناخية لكل منطقة.
وتستدعي مواجهة هذه الإكراهات الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى اعتماد مقاربة استباقية تقوم على التخطيط طويل الأمد، وتطوير أنظمة الرصد والتوقع، وتحسين تدبير الأحواض المائية، وربط الاستثمارات بالمعطيات العلمية المتعلقة بتطور الموارد وحاجيات الاستهلاك.
كما تبرز ضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات والقطاعات المعنية بالماء والفلاحة والتجهيز والبيئة، بما يضمن انسجام السياسات العمومية وتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع القادرة على تحقيق نتائج مستدامة.
تحلية مياه البحر.. خيار لتنويع مصادر التزود
تحتل تحلية مياه البحر موقعاً متزايد الأهمية ضمن الخيارات الرامية إلى تعزيز العرض المائي، خاصة في المناطق الساحلية والمدن التي تعرف ضغطاً متنامياً على مواردها التقليدية.
ويسمح هذا الخيار بتنويع مصادر التزود بالماء وتقليص الاعتماد الحصري على التساقطات والموارد السطحية والجوفية. غير أن توسيع استخدامه يظل رهيناً بتوفير التمويل الضروري، واعتماد تقنيات ملائمة، وضمان استمرارية التشغيل بكلفة قابلة للتحكم.
وفي المقابل، تطرح مشاريع التحلية تحديات مرتبطة باستهلاك الطاقة والتدبير البيئي للمياه المركزة الناتجة عن العملية، وهو ما يستدعي احترام معايير تقنية وبيئية دقيقة، وتطوير حلول تحد من الآثار المحتملة على النظم البحرية.
ولا يعني التوسع في تحلية مياه البحر الاستغناء عن حماية الموارد التقليدية، بل ينبغي إدماجها ضمن منظومة شاملة تجمع بين تعبئة الموارد وترشيد الاستهلاك وتحسين شبكات التوزيع.
الفلاحة في قلب معادلة الأمن المائي
يمثل القطاع الفلاحي أحد المجالات الرئيسية في معادلة تدبير المياه، بالنظر إلى حاجياته من مياه الري ودوره في ضمان الأمن الغذائي وتوفير فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي.
ويفرض الإجهاد المائي تطوير أساليب الإنتاج الفلاحي، وتوسيع اعتماد تقنيات الري المقتصدة للمياه، وتحسين مردودية الاستعمال، إلى جانب تشجيع الزراعات التي تتلاءم مع الظروف المناخية والموارد المتاحة في كل منطقة.
ولا يقتصر التحدي على إدخال التكنولوجيا الحديثة، بل يشمل أيضاً مواكبة الفلاحين وتيسير حصولهم على المعدات والخبرات اللازمة، وتوفير بيانات دقيقة تساعدهم على اتخاذ قرارات إنتاجية تراعي الوضعية المائية.
كما تبرز أهمية تقييم أثر برامج الري على الموارد، حتى لا يؤدي تحسين المردودية التقنية إلى ارتفاع الاستهلاك الإجمالي في المناطق التي تعاني من استنزاف الفرشات المائية.
ويظل تحقيق التوازن بين الإنتاج الفلاحي والمحافظة على الموارد رهيناً بسياسات مندمجة تراعي الأمن الغذائي والاستدامة البيئية والعدالة المجالية.
المياه الجوفية.. ضرورة الحد من الاستنزاف
تشكل المياه الجوفية رصيداً استراتيجياً في عدد من المناطق المغربية، خصوصاً خلال فترات الجفاف التي تتراجع فيها الموارد السطحية وتتزايد الحاجة إلى مصادر بديلة للتزود بالماء.
غير أن الاستغلال المكثف لهذه الموارد قد يؤدي إلى انخفاض مستويات الفرشات المائية وارتفاع كلفة الضخ، كما يهدد استدامة الاستعمالات المنزلية والفلاحية، وقد يفضي إلى آثار بيئية سلبية في بعض المجالات.
وتفرض هذه التحديات تعزيز مراقبة عمليات استخراج المياه، وتطوير أنظمة القياس والتتبع، والحد من الاستغلال غير القانوني، إلى جانب إشراك مستعملي المياه في إعداد حلول عملية تراعي خصوصيات الأحواض المائية.
وتكتسي حماية المناطق المساهمة في تغذية الفرشات المائية أهمية خاصة، من خلال صيانة التربة والغطاء النباتي، وتحسين تدبير مياه الأمطار، ودراسة إمكانات إعادة تغذية المياه الجوفية حيث تسمح الظروف التقنية والبيئية بذلك.
إعادة استعمال المياه العادمة.. مورد يحتاج إلى التثمين
يمثل استعمال المياه العادمة المعالجة خياراً يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط على الموارد التقليدية، خاصة في سقي المساحات الخضراء وبعض الاستخدامات الصناعية والفلاحية التي تستجيب للمعايير الصحية والبيئية.
ويتطلب تطوير هذا المجال توسيع البنيات التحتية للتطهير السائل ومحطات المعالجة، وتحسين جودة المياه المنتجة، ووضع آليات واضحة للمراقبة والتتبع، بما يضمن سلامة الاستعمال ويحمي الصحة العامة والبيئة.
كما يستدعي الأمر تعزيز التنسيق بين الجماعات الترابية والمؤسسات المكلفة بالتطهير والقطاعات المستفيدة، بهدف تطوير مشاريع قابلة للاستمرار من الناحيتين التقنية والمالية.
ويظل توسيع إعادة استعمال المياه المعالجة مرتبطاً بتوفر شبكات نقل مناسبة، وضمان الجودة المطلوبة بحسب طبيعة الاستخدام، وتوعية المستفيدين بأهمية هذا المورد ضمن مقاربة الاقتصاد الدائري للمياه.
الحكامة المائية والعدالة المجالية
لا يتوقف الأمن المائي على حجم الموارد المتاحة فحسب، بل يرتبط أيضاً بكفاءة تدبيرها، وجودة البنيات التحتية، ومدى عدالة توزيعها بين المجالات الحضرية والقروية وبين مختلف الاستعمالات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تحسين مردودية شبكات التوزيع والحد من التسربات، وتطوير أنظمة تدبير الطلب، وتعزيز الشفافية في المعطيات المتعلقة بالموارد المائية ومستويات الاستهلاك.
كما أن إشراك الجماعات الترابية والمهنيين ومكونات المجتمع المدني في النقاش حول الماء من شأنه تعزيز المسؤولية المشتركة، والمساهمة في إعداد سياسات تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان.
ويظل تقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الماء الصالح للشرب أولوية تستدعي مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية، لا سيما بالمناطق التي تواجه هشاشة في التزود أو صعوبات مرتبطة بالمسافة والتضاريس وتشتت التجمعات السكانية.
المؤتمر السنوي.. من تشخيص الأزمة إلى الحلول العملية
تتوقف القيمة العملية للمؤتمرات المتخصصة حول الماء على قدرتها على تجاوز التشخيص العام للأزمة نحو بلورة مقترحات قابلة للتنفيذ، تستند إلى المعطيات العلمية والتجارب الميدانية وتقييم السياسات المعتمدة.
ومن شأن النقاش حول مستقبل الموارد المائية أن يتيح تبادل الخبرات بشأن تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه المعالجة، وحماية المياه الجوفية، وتحديث أنظمة الري، وتحسين حكامة الأحواض المائية.
كما تبرز أهمية ربط التوصيات بمؤشرات واضحة لقياس النتائج، وتحديد المسؤوليات والآجال، وتقييم الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمشاريع، حتى لا تبقى المخرجات حبيسة التوصيات العامة دون أثر ملموس.
الأمن المائي.. مسؤولية مشتركة ورهان استراتيجي
أصبح الأمن المائي بالمغرب قضية استراتيجية تتطلب تضافر الجهود الحكومية والمؤسساتية والاقتصادية والمجتمعية، ضمن رؤية تقوم على الاستباق والتخطيط والاستثمار المسؤول.
فمواجهة الإجهاد المائي لا تتحقق بتعبئة الموارد وحدها، بل تستدعي أيضاً تغيير أنماط الاستهلاك، وتطوير التكنولوجيا، وحماية الفرشات المائية، وتحسين تدبير الشبكات، وضمان عدالة الولوج إلى الماء.
ومن هذا المنطلق، يشكل المؤتمر السنوي الثالث حول الماء، المدرج ضمن برنامج 28 أكتوبر 2026، مناسبة لمواصلة النقاش حول أحد أبرز رهانات التنمية المستدامة بالمملكة، على أن تظل تفاصيل المداولات والتوصيات مرتبطة بما ستعلنه الجهات المنظمة رسمياً.
التعليقات مغلقة.