في عالم تتسيد فيه أبرد الوحوش الباردة، تلك الكيانات التي تطلق على نفسها موظفي الدولة التي تمتلك سلطة القهر بينما تنفث من أفواهها دنائة و مكرا تدعي تمثيل الشعوب، يبرز تحطيم المعنويات ليس كخلل إداري، بل كاستراتيجية وجودية للمنظومات التي نخرها سوس الانحطاط ، إن ما تمارسه بعض الأجهزة البيروقراطية والجهات الإدارية و بعض السياسين اليوم هو عملية تخريب ممنهجة للروح الإنسانية، تهدف إلى إحلال أخلاق العبيد والقطيع محل إرادة القوة والسيادة الذاتية.
إنهم يسعون إلى تحويل المواطن من كائن خلاق مبادر إلى إنسان أخير تافه، لا يطمح إلا إلى الأمان الزائف والروتين الذي يقتل كل شرارة للإبداع أو التمرد الأخلاقي ، إن هذا التخريب الأيديولوجي يمر عبر مراحل لئيمة من نزع المناعة النفسية، حيث تسخر وسائل الدولة لا لمحاربة الجريمة والفساد، بل لتعقب الصادقين والتنكيل بالوطنيين و عوائلهم الذين يرفضون الانخراط في جوقة الزيف.
في دهاليز هذه الإدارات، يصبح الصدق خطيئة، وتتحول النزاهة إلى عائق أمام تدفق المصالح المشبوهة ، هنا، تعمل الآلة البيروقراطية على تفكيك إرادة الفرد عبر استنزاف طاقته في معارك وهمية مع الأوراق والتعقيدات و التضيقات و العرقلة و تخريب سكناهم … ليوصلوه إلى حالة من الذهول واليأس، حيث يرى الخراب ينهش المؤسسات والأحزاب بينما تتركز كل القوة القمعية ضده هو، لأنه تجرأ على أن يكون ذاتا حرة في زمن القطعان المروضة .
إن العنف السيادي الذي تمارسه هذه الجهات هو عنف يفتقر إلى البطولة، إنه عنف الجبناء الذين يختبئون خلف النصوص لقتل روح النص ، إنهم يمارسون التفكيك لا كمنهج للنقد، بل كأداة للهدم ! يهدمون الثقة، يهدمون الانتماء، ويهدمون كل قيمة عليا لصالح الواقعية الدنيئة التي تبرر الفساد وتشرعن الإجرام ، إن اجتماع السياسي الانتهازي مع البيروقراطي المتحجر و بعض أجهزة الدولة يشكل تحالفا ضد الحياة نفسها، لأنهم يدركون أن الانبعاث الروحي والوطني للفرد يعني نهايتهم الحتمية.
لذا، يستميتون في تحطيم معنويات كل من يظهر عليه سمات الإنسان المتجاوز لواقعهم المتعفن، مستخدمين في ذلك كل وسائل الدولة التي أصبحت في أيديهم مجرد أدوات للتعذيب النفسي والعرقلة الممنهجة ، لكن، على هؤلاء القابعين في قممهم الزائفة أن يعلموا أن إرادة القوة لا يمكن سحقها بقرارات إدارية أو تعقيدات بيروقراطية او باستعمال وسائل الدولة للقمع و التخريب.
إن كل محاولة لتحطيم معنويات الصادقين هي في الحقيقة اعتراف بضعف هذه المنظومة وخوفها ، إن الروح التي تنبع من إيمان عميق بالحق والعدالة هي روح لا تقبل التدجين، وكلما زاد ضغطكم وزاد تعقبكم، كلما اقتربت لحظة الانفجار الروحي الذي سيفكك عروشكم الكرتونية،إن القانون الذي يحمي المفسدين ويلاحق الشرفاء هو قانون منحل أخلاقيا، وفاقد لأي شرعية وجودية، وهو ليس سوى قناع يغطي وجه العدمية التي تنشرونها في أوصال الوطن .
إن الرسالة الموجهة إلى كل من يشعر بالإحباط تحت وطأة هذا الظلم الممنهج هي: لا تمنحوهم لذة انكساركم، فأنتم تمثلون الحياة في أسمى صورها، وهم يمثلون الانحطاط في أبشع تجلياته .
إن المعركة اليوم هي معركة بين الصدق الذي يبعث الأمم، وبين الفساد الذي يدفنها ، إن فضح آليات تخريبهم وتفكيك خطاباتهم المسمومة هو فعل نضالي بامتياز ، مهما كان الثمن بالروح أو النهاية لن يرهبنا وحشكم البارد، ولن تثنينا بيروقراطيتكم القاتلة، فمن كان يحمل في داخله شمسا من القيم لا يخشى ظلمات مكاتبكم ، إن فجر الانبعاث لا تصنعه الأوراق، بل تصنعه الإرادات التي تأبى أن تكون مجرد أرقام في سجلات فسادكم، والغلبة في نهاية المطاف هي لمن يملك القوة الأخلاقية ليقول لا ، في وجه آلة السحق الجماعي .

التعليقات مغلقة.