لم تعد العواصم الكبرى، من واشنطن إلى بروكسل وصولاً إلى العواصم الإقليمية المؤثرة، تنظر إلى إيران ككتلة صلبة لا تتأثر بالمتغيرات. إن القراءة الدولية المعاصرة للمشهد الإيراني انتقلت من مرحلة “الاحتواء الشامل” إلى مرحلة “إدارة عدم اليقين”. يدرك المراقبون الدوليون أن الانقسامات داخل أروقة السلطة في طهران — بين تيار يصر على استدامة التشدد وآخر يخشى الانهيار الاقتصادي — قد أضعفت من قدرة النظام على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد، مما جعل السياسة الخارجية الإيرانية تبدو أكثر “رد فعلية” وأقل استباقية.
ارتدادات الانقسام: التأثير على السياسات الإقليمية
تؤدي هذه الانقسامات إلى تضارب في الأداء الإقليمي؛ ففي الوقت الذي تواصل فيه الأذرع العسكرية للنظام تنفيذ أجندة توسعية، تظهر مؤشرات دبلوماسية متناقضة تهدف لاستمالة دول الجوار من أجل شريان حياة اقتصادي. هذا التناقض يضع القوى الإقليمية الكبرى أمام تحدٍ وجودي: كيف يمكن التفاوض مع طرف لا يضمن فيه الجناح الدبلوماسي التزام الجناح العسكري؟ هذا الشك الدولي أدى إلى تبني سياسات “التحوط الاستراتيجي”، حيث تُفضل الدول الإقليمية بناء تحالفات دفاعية واقتصادية عابرة للمحاور التقليدية، تحسباً لأي انفجار داخلي محتمل في إيران قد يؤدي إلى فراغ أمني.
مأزق “التفاوض المزدوج”
تتعامل القوى الدولية مع إيران اليوم وفقاً لمنطق التعامل مع شريك غير متوقع. إن وجود فصائل متناحرة داخل النظام الإيراني يمنع المجتمع الدولي من الانخراط في صفقات استراتيجية شاملة. فالتاريخ الحديث للتفاوض مع طهران يثبت أن أي اتفاق يتم التوصل إليه قد يتعرض للنسف نتيجة صراع الأجنحة أو الرغبة في إثبات الهيمنة الأيديولوجية. ونتيجة لذلك، انتقلت السياسة الدولية تجاه إيران من “السعي للدمج” إلى “احتواء التداعيات”، مع التركيز على تحييد المخاطر المرتبطة بانتشار السلاح أو زعزعة الاستقرار في الممرات المائية.
إعادة تموضع القوى: استغلال الفراغ
في ظل انشغال طهران بصراعاتها الداخلية، بدأت القوى الدولية والإقليمية في إعادة صياغة خرائط نفوذها. إن الفراغ الذي يتركه تراجع الفعالية الإيرانية في الملفات الإقليمية — بسبب استنزاف الموارد والضغط الداخلي — تملؤه الآن تحالفات أمنية جديدة. هذه التحالفات لا تهدف فقط إلى مواجهة النفوذ الإيراني، بل تهدف إلى خلق منظومة إقليمية قادرة على الاستمرار بمعزل عن التقلبات الإيرانية. إن المجتمع الدولي يقرأ هذه التغيرات كإشارة على أن “نموذج الهيمنة الإيراني” في طريقه إلى الانحسار لصالح ترتيبات إقليمية أكثر واقعية.
الاستشراف الاستراتيجي: من “الصمود” إلى “الاحتواء”
إن القراءة الدولية لعام 2026 تشير إلى أن الرهان على بقاء النظام بشكل أبدي لم يعد ركيزة أساسية في التحليل الجيوسياسي. بدلاً من ذلك، بات هناك تركيز على سيناريوهات الانتقال، وما قد يترتب عليها من تأثيرات على أسواق الطاقة والأمن العالمي. يراقب العالم التصدعات الداخلية في طهران ليس فقط كحدث محلي، بل كمتغير جيوسياسي قد يغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط. إن أي خطوة إيرانية نحو “التشدد” يتم مقابلتها الآن بتعزيز التحصينات الدولية والإقليمية، مما يحول سياسات طهران من أداة قوة إلى عامل عزلة ذاتية.
الخلاصة: عاصفة في مرآة
تدرك القوى الكبرى اليوم أن إيران تمر بلحظة فارقة. أدى فشل النظام في التوفيق بين تطلعات شعبه وطموحات نخبته الحاكمة إلى تآكل زخمه السياسي، مما أضعف قدرته على فرض رؤيته في المحافل الدولية. إن العالم لم يعد ينتظر ما سيقوله الملالي، بل يراقب بتركيز شديد ديناميكيات الانهيار الداخلي، معيداً توجيه سياساته الإقليمية لضمان مصالحه في مرحلة “ما بعد التوسع الإيراني”.
د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي

التعليقات مغلقة.