أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

النهضة و7 نوفمبر : من الأمل في الانفتاح إلى سنوات بن علي

سلوى الجيلالي بوعلي

لم يكن 7 نوفمبر 1987 بالنسبة إلى حركة النهضة مجرد تغيير في رأس السلطة كان حدثًا فتح أمامها ولو مؤقتًا نافذة أمل للخروج من سنوات الصدام مع نظام الحبيب بورقيبة.

فقد جاءت سلطة زين العابدين بن علي في بدايتها بخطاب مختلف تحدث عن الإصلاح والانفتاح والتعددية وأُفرج عن عدد من معتقلي الحركة.
ومن هنا بدأت علاقة جديدة بين السلطة والتيار الإسلامي علاقة ستنتقل خلال سنوات قليلة من الحوار والتفاهم إلى واحدة من أعنف المواجهات السياسية في تاريخ تونس الحديث.

7 نوفمبر… صفحة جديدة؟

في الأيام والأشهر الأولى بعد وصول بن علي إلى الحكم بدا أن البلاد تتجه نحو مرحلة سياسية مختلفة.

وبالنسبة إلى الإسلاميين كان سقوط بورقيبة يعني نهاية مرحلة طويلة من الاعتقالات والمحاكمات والملاحقات.

أُفرج عن عدد كبير من المعتقلين وبدأ حوار بين السلطة الجديدة وقيادات حركة الاتجاه الإسلامي.

وكان السؤال المطروح آنذاك:

هل يستطيع بن علي أن يفتح صفحة جديدة مع الحركة الإسلامية؟

في البداية بدا أن الإجابة قد تكون نعم.

لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها وإنما أيضًا بحجم القوة التي يمتلكها كل طرف وبمدى قدرته على قبول منافس حقيقي داخل المجال السياسي.

من الاتجاه الإسلامي إلى النهضة

دخلت الحركة مرحلة إعادة ترتيب نفسها.
وفي سنة 1989 تغير اسمها من حركة الاتجاه الإسلامي إلى حركة النهضة في سياق قانوني وسياسي جديد كان يمنع إنشاء أحزاب على أساس ديني ثم تقدمت بطلب للحصول على الاعتراف القانوني لكن السلطة لم تمنحها الترخيص.

وفي 7 نوفمبر 1988 وقعت الحركة إلى جانب عدد من القوى السياسية على الميثاق الوطني الذي طرحه بن علي كإطار لتنظيم الحياة السياسية.

كان المشهد يوحي آنذاك بإمكانية إدماج النهضة في الحياة السياسية لكن الاختبار الحقيقي كان سيأتي مع الانتخابات.

انتخابات 1989… الاختبار الأول

في أبريل 1989 شاركت النهضة في الانتخابات التشريعية ولكنها لم تدخلها كحزب مرخص بل عبر قوائم مستقلة.
كانت المشاركة نقطة تحول مهمة.
فالنهضة كانت تريد أن تثبت أن لها حضورًا شعبيًا حقيقيًا بينما كانت السلطة تريد أن تختبر حجم هذا الحضور داخل صناديق الاقتراع.

أعلنت النتائج الرسمية نسبًا أقل بكثير من تلك التي قالت الحركة إنها حصلت عليها بينما اتهمت النهضة السلطة بالتلاعب بالنتائج.

وتختلف المصادر في تحديد النسبة التي حصلت عليها الحركة فبعض المصادر تشير إلى نحو 17% بينما تذكر مصادر أخرى نسبًا مختلفة في حين أعلنت الحركة نفسها أنها حصلت على نسبة أعلى بكثير.

لكن بعيدًا عن الخلاف حول الأرقام كانت هناك حقيقة سياسية واضحة ورسالة صريحة للسلطة مفادها ان النهضة قوة إنتخابية لا يمكن تجاهلها .

وهنا بدأت العلاقة بين الطرفين تتغير.

فالسلطة التي كانت ترى في الحركة طرفًا يمكن احتواؤه بدأت تنظر إليها باعتبارها منافسًا سياسيًا يمكن أن يهدد هيمنة الحزب الحاكم.

لحظة انكسار الثقة
بعد الانتخابات لم تحصل النهضة على الاعتراف القانوني الذي كانت تطلبه وغادر راشد الغنوشي تونس في مايو 1989 متوجهًا إلى الجزائر ثم بدأت مرحلة جديدة من التوتر بين الحركة والنظام.

وبذلك انتهت تقريبًا مرحلة الحوار والتفاؤل التي طبعت بدايات عهد بن علي لكن الصدام لم يقع دفعة واحدة.

كان هناك مسار تدريجي تضييق سياسي ثم ملاحقات ثم اعتقالات ثم مواجهة مفتوحة.

وفي هذه المرحلة كانت تونس نفسها تعيش تحولات إقليمية ودولية عميقة وكان صعود الحركات الإسلامية في المنطقة يزيد من حساسية السلطة تجاه أي تنظيم إسلامي قوي.

من المعارضة إلى المنفى
خلال بداية التسعينيات أصبحت المواجهة أكثر حدة
فجاءت التداعيات لم تبقَ باب سويقة حادثة أمنية معزولة فقد تبعتها موجة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات ضد من اتُّهموا بالانتماء إلى النهضة أو المشاركة في أعمالها وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن 28 شخصًا حوكموا في مايو 1991 في قضية الهجوم وصدر بحقهم عدد من الأحكام بالسجن ثم رُفعت أحكام خمسة منهم إلى الإعدام ونُفذ الحكم في ثلاثة كانوا رهن الاحتجاز في أكتوبر 1991.
وفي أغسطس 1992 صدرت أحكام قاسية عن محاكم عسكرية بحق عدد من قيادات وأعضاء الحركة وصلت في بعض الحالات إلى السجن مدى الحياة كما اتجه عدد من القيادات إلى المنفى ومن بينهم راشد الغنوشي الذي استقر لاحقًا في بريطانيا.

هنا دخلت النهضة مرحلة مختلفة تماما لم تعد القضية بالنسبة إليها مجرد محاولة للحصول على الاعتراف القانوني لقد أصبحت الحركة في مواجهة نظام يعتبر وجودها السياسي والتنظيمي تهديدًا له.

ماذا حدث داخل الحركة؟

سنوات المنفى والسجن لم تكن مجرد سنوات غياب عن تونس كانت أيضًا سنوات إعادة التفكير.

فالحركة التي نشأت في السبعينيات كتيار إسلامي دعوي وفكري ثم تحولت إلى تنظيم سياسي أصبحت مطالبة بإعادة تعريف نفسها أمام مجتمع تونسي يتغير وأمام نظام يغلق المجال السياسي، وأمام معارضة تونسية لها رؤاها المختلفة.

وهنا بدأ يتشكل تدريجيًا سؤال سيصبح مهمًا جدًا بعد الثورة هل تستطيع النهضة أن تتحول من حركة ذات مرجعية إسلامية إلى حزب سياسي يقبل قواعد التعددية والديمقراطية؟

هذا السؤال لم يكن نظريًا بل كان جزءًا من النقاشات التي رافقت تطور الحركة خلال سنوات المنفى.

سنوات بن علي… المعارضة في الداخل والمنفى في الخارج خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية بقيت النهضة محظورة في تونس بينما عاش جزء كبير من قياداتها وأنصارها بين السجن والمنفى وفي الداخل ظل اسم الحركة حاضرًا رغم غيابها القانوني عن المشهد السياسي.

أما في الخارج فقد واصلت قياداتها نشاطها السياسي والإعلامي وحاولت تقديم نفسها كجزء من المعارضة التونسية المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

وفي المقابل ظل النظام يقدم النهضة باعتبارها تنظيمًا غير قانوني وخطرًا على الدولة.

وهكذا أصبح لكل طرف روايته السلطة تتحدث عن حماية الدولة والنهضة تتحدث عن القمع والإقصاء وبين الروايتين عاش المجتمع التونسي سنوات طويلة من الصمت السياسي.
هل كان الصدام حتميًا؟

هنا يمكن أن نطرح سؤالًا أكثر صعوبة هل كان الصدام بين بن علي والنهضة نتيجة طبيعية لاختلاف المشروعين؟ أم أن تجربة 1989 كانت فرصة ضائعة كان يمكن أن تقود إلى إدماج الحركة في الحياة السياسية؟
يصعب تقديم إجابة واحدة.

فالسلطة لم تكن مستعدة لتقبل منافس يمتلك قاعدة شعبية وتنظيمًا واسعًا والنهضة من جانبها لم تكن قد وصلت بعد إلى الصيغة السياسية التي ستتبناها لاحقًا.

ولهذا يمكن القول إن الطرفين دخلا مرحلة التسعينيات وهما يحملان قدرًا كبيرًا من عدم الثقة.

ومع الوقت أصبح كل طرف يرى الآخر باعتباره تهديدًا.

من 7 نوفمبر إلى 14 جانفي

عندما نصل إلى نهاية عهد بن علي سنجد أن النهضة خرجت من تلك المرحلة وهي مختلفة تمامًا عن الحركة التي دخلتها سنة 1987.

دخلت عهد بن علي بأمل الاعتراف والعمل العلني وخاضت تجربة انتخابية سنة 1989.

ثم وجدت نفسها خارج القانون وتعرضت قياداتها وأعضاؤها للسجن والملاحقةوعاش جزء من قياداتها سنوات طويلة في المنفى.

لكن التجربة تركت للحركة أيضًا خبرة سياسية وتنظيمية واسعة وشكلت جزءًا من الذاكرة التي ستعود بقوة بعد سقوط بن علي.

وهنا نصل إلى 14 جانفي 2011.

ففي اللحظة التي انهار فيها نظام بن علي عادت النهضة إلى تونس لا كتنظيم مطارد فقط وإنما كقوة سياسية جاهزة للعودة إلى الساحة.

وهنا تبدأ الحلقة الثالثة وربما أهم حلقات الملف:

النهضة والثورة

من العودة إلى تونس… إلى السلطة

فهل كانت النهضة مستعدة لحكم تونس بعد عقود من المعارضة؟ ذلك هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في الحلقة القادمة.

التعليقات مغلقة.