أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حركة النهضة في عهد بورقيبة

سلوى الجيلاني بوعلي

من النشأة إلى المواجهة
لم تولد حركة النهضة التونسية في لحظة سياسية واحدة ولم تبدأ منذ يومها الأول كحزب سياسي بالمعنى الذي عرفه التونسيون بعد الثورة كانت بداياتها جزءًا من تحولات فكرية واجتماعية عرفتها تونس منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات في مجتمع كان يعيش تحت تأثير مشروع دولة الاستقلال الذي قاده الحبيب بورقيبة وفي المقابل كانت تتشكل داخل الجامعة والمساجد أجيال جديدة تبحث عن قراءة مختلفة للدين والمجتمع والسياسة.
من الدعوة إلى التنظيم
في بداية السبعينيات بدأت تتبلور نواة الحركة الإسلامية التونسية وفي سنة 1972 ظهرت «الجماعة الإسلامية»، التي كان من أبرز مؤسسيها راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو ومنصف بن سالم. في مرحلتها الأولى ركزت الجماعة أساسًا على النشاط الفكري والدعوي وعلى المساجد والحلقات الدينية وبعض الأطر الثقافية وكانت السلطة في تلك الفترة لا تنظر إليها بالضرورة باعتبارها الخطر السياسي الذي ستصبح عليه لاحقًا بل إن وجود تيار إسلامي كان يُنظر إليه أحيانًا باعتباره عاملًا يمكن أن يحد من نفوذ اليسار، الذي كان آنذاك حاضرًا بقوة في الجامعات والنقابات والساحة الثقافية. لكن العلاقة لم تبقَ على حالها.
فكلما توسع النشاط الإسلامي وكلما انتقل من المجال الدعوي والثقافي إلى المجال العام والسياسي بدأ التوتر بين الحركة والسلطة يأخذ شكلًا أكثر وضوحا.
وكانت مجلة «المعرفة» إحدى المنابر التي ساهمت في نشر أفكار التيار الإسلامي الناشئ وأصبحت الحركة أكثر حضورًا في النقاش حول هوية المجتمع التونسي ومستقبل الدولة. بورقيبة والإسلاميون : اختلاف في تصور الدولة والمجتمع لفهم الصدام بين بورقيبة والحركة الإسلامية لا يكفي أن نقول إن الأمر كان مجرد خلاف سياسي. كان هناك اختلاف أعمق حول صورة المجتمع والدولة والهوية. بورقيبة بنى مشروعه على دولة وطنية حديثة وعلى إصلاحات اجتماعية وقانونية واسعة وعلى تصور يعتبر تحديث المجتمع جزءًا أساسيًا من بناء الدولة. أما الإسلاميون فكانوا يرون أن تحديث المجتمع لا ينبغي أن يكون على حساب المرجعية الإسلامية وأن للدين دورًا في صياغة القيم العامة والحياة الاجتماعية والسياسية. ومن هنا بدأ السؤال الكبير : هل يمكن أن تتسع الدولة البورقيبية لتعدد المرجعيات والتيارات أم أن مشروع الدولة الحديثة الذي بناه بورقيبة كان يفترض مجالًا سياسيًا وثقافيًا أكثر محدودية؟ كان هذا السؤال في خلفية الصراع الذي سيشتد خلال الثمانينيات. 1981… لحظة الانتقال إلى العلن شكل عام 1981 محطة مفصلية.
ففي سياق حديث السلطة آنذاك عن التعددية السياسية عقدت الجماعة الإسلامية مؤتمرًا سريًا في أبريل/نيسان 1981، وقررت الانتقال من العمل السري إلى العلني، كما غيرت اسمها إلى حركة الاتجاه الإسلامي. وفي 6 يونيو/حزيران 1981 أعلن راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو عن الحركة في مؤتمر صحفي وتقدمت الحركة بطلب رسمي للحصول على الاعتراف القانوني. لكن الاعتراف لم يحصل وسرعان ما دخلت الحركة في مواجهة مباشرة مع السلطة وانطلقت الاعتقالات والمحاكمات التي طالت قياداتها وأعضاءها. كان ذلك أول اختبار كبير للحركة : هل تستطيع أن تتحول من جماعة دعوية وفكرية إلى قوة سياسية تعمل داخل القانون؟ جواب السلطة في ذلك الوقت كان الرفض. أما الحركة فقد وجدت نفسها مرة أخرى أمام خيار العمل السري.
السجن… وبداية مرحلة جديدة في سنة 1981
تعرضت قيادات حركة الاتجاه الإسلامي لمحاكمات وأحكام بالسجن. وكان راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو من أبرز الوجوه التي دخلت السجن قبل أن تعرف الحركة انفراجًا نسبيًا في منتصف الثمانينيات فأُفرج عن الغنوشي سنة 1984 بعد سنوات من السجن.
لكن الإفراج لم يكن نهاية الصراع. فالعلاقة بين الحركة والسلطة ظلت محكومة بعدم الثقة خصوصًا مع اتساع نشاط الحركة وتزايد حضورها في الجامعات وبعض الأطر الاجتماعية والنقابية. وبذلك أصبح السجن والمنفى والعمل السري جزءًا من التجربة المبكرة للتيار الإسلامي التونسي.
بين الدعوة والسياسة هنا تظهر إحدى أهم القضايا التي رافقت الحركة منذ بدايتها : هل هي حركة دينية دعوية أم حركة سياسية ذات مرجعية إسلامية؟ لم يكن الجواب ثابتًا دائمًا. فالحركة نفسها كانت تتطور وأعضاؤها كانوا يعيشون نقاشًا داخليًا حول حدود العمل السياسي وحول العلاقة بين الإسلام والدولة وحول الديمقراطية والتعددية. وكان داخل التيار الإسلامي نفسه من رأى ضرورة التركيز على المجال الثقافي والدعوي يينما اتجه آخرون بصورة أكبر نحو العمل السياسي.
وهذا النقاش الداخلي سيظل حاضرًا في مسيرة الحركة لعقود لاحقة. السنوات الأخيرة من بورقيبة مع اقتراب نهاية عهد بورقيبة وصلت العلاقة بين السلطة والحركة إلى واحدة من أكثر مراحلها توترًا. في سنة 1987 اعتُقل راشد الغنوشي من جديد وصدرت بحقه أحكام قاسية بينما كانت البلاد نفسها تدخل مرحلة سياسية شديدة الاضطراب. ثم جاء 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 وانتهى عهد بورقيبة وصعد زين العابدين بن علي إلى السلطة. وهنا انتهت مرحلة لكن قصة الحركة لم تنتهِ.
بل ربما كانت تلك اللحظة بداية فصل أكثر تعقيدًا. فالحركة التي خرجت من عهد بورقيبة وهي تحمل ذاكرة السجون والملاحقات ستدخل عهد بن علي وهي أمام سلطة جديدة وشعارات جديدة، ووعود بالانفتاح السياسي. لكن السؤال الذي سيطرح نفسه سريعًا سيكون : هل سيكون 7 نوفمبر بداية مصالحة بين الدولة والإسلاميين أم مجرد انتقال للصراع من بورقيبة إلى بن علي؟ ذلك سيكون موضوع الحلقة الثانية. خلاصة الحلقة الأولى لم تكن نشأة حركة النهضة مجرد ولادة حزب سياسي بل كانت نتيجة مسار فكري واجتماعي وسياسي طويل.
بدأت الجماعة الإسلامية في المجال الدعوي والثقافي ثم تطورت نحو التنظيم والعمل السياسي وصولا إلى إعلان حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981. وفي المقابل انتقلت السلطة من التسامح النسبي إلى المواجهة ثم إلى الاعتقالات والمحاكمات. وبين الطرفين بقي سؤال لم يُحسم :
كيف يمكن للدولة التونسية أن تجمع بين مشروع الحداثة، والهوية الإسلامية والتعددية السياسية ؟
لقد دخلت الحركة عهد بن علي وهي تحمل معها تجربة طويلة من العمل السري والسجون والصدام مع السلطة. لكنها كانت أيضًا قد تعلمت درسًا سياسيًا مهمًا : أن البقاء في المعارضة شيء والوصول إلى الحكم شيء آخر تمامًا. ومن هنا نفتح في الحلقة القادمة ملفًا جديدًا النهضة و7 نوفمبر… من الأمل في الانفتاح إلى سنوات بن علي والمنفى والمواجهة.

التعليقات مغلقة.