شهدت كواليس قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد صيف سنة 2022، تحركات دبلوماسية مكثفة سعت من خلالها إسبانيا إلى إدراج مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ضمن نطاق الحماية العسكرية للحلف، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإضفاء غطاء أطلسي على المدينتين وتحويل أي مطالبة مستقبلية بهما إلى قضية تمس أمن جميع دول الحلف.
وبينما انشغلت الأنظار آنذاك بتداعيات الحرب في أوكرانيا، كانت مدريد تعمل داخل أروقة القمة على استثمار مراجعة “المفهوم الاستراتيجي الجديد” للناتو من أجل توسيع نطاق الحماية المنصوص عليها في معاهدة واشنطن، بما يشمل سبتة ومليلية، أو على الأقل إدراج إشارة صريحة إلى المدينتين في الوثيقة الختامية.
غير أن هذا المسعى اصطدم بعائق قانوني يتمثل في المادة السادسة من معاهدة واشنطن، التي تحدد المجال الجغرافي لتطبيق المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، إذ تقتصر على أراضي الدول الأعضاء الواقعة في أوروبا وأمريكا الشمالية والجزر الواقعة شمال مدار السرطان، وهو ما يجعل سبتة ومليلية، بحكم موقعهما في شمال إفريقيا، خارج نطاق الحماية التلقائية للحلف.
ووفق المعطيات الواردة، فإن الضغوط التي مارستها مدريد، بدعم من بعض أحزاب اليمين الإسباني، لم تنجح في تغيير هذا الواقع، بعدما واجهت رفضاً من داخل الحلف، قادته كل من الولايات المتحدة وتركيا.
وبحسب النص، اعتبرت واشنطن أن المغرب يمثل شريكاً استراتيجياً رئيسياً من خارج الناتو، وأن إدخال الحلف في نزاع مرتبط بملف ترابي محل خلاف من شأنه الإضرار بالمصالح الاستراتيجية الغربية في منطقة شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
من جهتها، رفضت تركيا، التي تعد من أبرز القوى العسكرية داخل الحلف، استخدام المظلة الأطلسية لتكريس وضع تعتبره مرتبطاً بإرث استعماري في القارة الإفريقية، مؤكدة تمسكها بمقاربة لا تؤدي إلى توتير العلاقات مع المغرب.
وانتهت قمة مدريد دون الاستجابة للمطلب الإسباني، حيث اكتفت الوثيقة الختامية بالتأكيد على الدفاع عن وحدة أراضي الدول الأعضاء بصيغة عامة، دون أي إشارة صريحة إلى سبتة أو مليلية، كما لم يطرأ أي تعديل على النطاق الجغرافي لمعاهدة الحلف.
ويرى النص أن هذه النتيجة حملت عدة دلالات سياسية واستراتيجية، أبرزها إدراك مدريد أن عضويتها في الناتو لا توفر حماية تلقائية للمدينتين، فضلاً عن تكريس الطابع الثنائي لملف سبتة ومليلية، بعيداً عن أي تدويل داخل مؤسسات الحلف.
كما يعتبر النص أن مخرجات القمة عززت المقاربة المغربية القائمة على اعتبار ملف المدينتين قضية ثنائية بين الرباط ومدريد، تُعالج عبر الحوار المباشر، دون إدخال أطراف دولية أو مؤسسات عسكرية في مسارها.
وفي المحصلة، يخلص النص إلى أن قمة مدريد أبرزت حدود الرهان الإسباني على المظلة الأطلسية في هذا الملف، وأكدت استمرار التعامل مع قضية سبتة ومليلية خارج إطار الضمانات العسكرية لحلف شمال الأطلسي.

التعليقات مغلقة.