أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

لما تتزامن في الجزائر ذكرى اندلاع ثورتها المجيدة وذكرى رحيل فيلسوف الحضارة

مصطفى محمد حابس: جينيف - سويسرا

بمناسبة ذكرى اندلاع ثورتنا المجيدة التي تحل علينا كل سنة مع الفاتح من شهر نوفمبر، والتي تصادف أيضًا ذكرى رحيل فيلسوف نهضة حضارة أمتها المجيدة، وإحياءً لهذه المحطات من تاريخنا، الذكرى الـ52 لرحيل أستاذ الأجيال المفكر الجزائري مالك بن نبي (رحمه الله)، والتي تتزامن مع الذكرى الـ71 لاندلاع ثورة نوفمبر المباركة، مما زاد تزامنهما هذا في وقت واحد بهجةً وسرورًا للأجيال. فلولا تضحيات العلماء أمثال مالك بن نبي وأقرانه، والثمن الباهض من دماء شهدائنا إبان ثورة نوفمبر الخالدة والثورات السابقة لها، “ما كنا لننعم باستقلال باهر” مكلّف لا يزال في حاجة إلى جهود جبارة أخرى، بل ثورات ثقافية وعلمية وصناعية للحاق بركب الدول المستقلة فعلًا والمتحضرة.

ففي مثل هذه الأيام، وتحديدًا يوم 31 أكتوبر 1973، رحل عن دنيانا المفكر الكبير مالك بن نبي، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن أمته خير الجزاء. إذ لم يكن بن نبي في مسار حياته مجرد كاتب أو منظّر، بل كان رائدًا لمشروع حضاري متكامل، أعاد من خلاله توجيه البوصلة نحو الإنسان والروح والمعنى. شرحت أفكاره الواعدة أن أزمة العالم المعاصر ليست أزمة مادة أو أزمة علم، بل أزمة نفسٍ فقدت توازنها ومعناها.

تراث بن نبي، وأسرار توزن فكره ومصادر قوته

كما كتبنا في مقال سابق عن ذات المناسبة، تحت هذا العنوان “تراث بن نبي، وأسرار توزن فكره ومصادر قوته”، يمكننا اليوم الجزم دون ريب أن مالك بن نبي ترك للأمة وللإنسانية جمعاء فكرًا متميزًا يدعونا إلى أن نبدأ نهضتنا من داخل الإنسان، من صفاء الضمير ووعي الرسالة، قبل أن يمتد إلى الثقافة والعلم والسياسة والعمران. كما يلحظ أي منصف عادل ما تركه للأجيال، منهم رجال عاصروه يخدمون اليوم بأفكاره ويطورونها.

من هؤلاء الرجال المعاصرين الذين عرفوه واستفادوا منه وأفادوا بتراثه، الوالد عمي مختار هدام (رحمه الله)، الذي تعرف على بن نبي عن قرب أكثر في الفترة ما بعد الاستقلال. وأذكر أن أستاذنا المفكر الدكتور توفيق الشاوي (المصري)، وهو من كبار الإخوان، رحمه الله، تعرف عليهما الاثنين في نفس المراحل، وقد كتب عنهما مقالًا مميزًا في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وكتب عن الشيخ مختار هدام بإسهاب عن سيرته ونضاله، في جريدتي المساء والنصر الجزائريتين، إن لم تخني الذاكرة. ولما أراد الدكتور توفيق الشاوي نشر مذكراته في كتابه المعروف “نصف قرن من العمل الإسلامي”، طلب مني أن أبحث له عن المقال ليدخله ضمن الشخصيات الجزائرية التي تعرف عليها في الجزائر وخارجها، فلم أعثر على الجريدة أيامها، وأنا متأسف لحد الآن. لأني كلما زرته في السعودية (رحمه الله)، ذكرني بالمقال وبرجال الثورة الذين تعرف شخصيًا على مجموعة كبيرة منهم، كعمي مختار هدام وشقيقه الأصغر الدكتور التيجاني هدام، وكذا رموز الثورة كالرئيس بن بلة والحسين آيت أحمد، والشيخ محمود بوزوزو، والوزير مولود قاسم، والوزير طالب الإبراهيمي، والوزير شيبان وغيرهم كثير، رحمهم الله جميعًا.

“سيدي خاي”.. المربي السياسي والتربوي الروحي

وقد تعرف كاتب هذه السطور على شيخنا عمي مختار في منتصف ثمانينات القرن الماضي، في العاصمة الجزائر، حينما كان يحل ضيفًا علينا في مسجد الطلبة بجامعة الجزائر، وكان أيامها مديرًا لثانوية البنات بتلمسان، وقد يسر الله على يديه انطلاق أول مجموعة لطالبات محجبات بثانويته، منهن بناته في سبعينات القرن الماضي. كما جلسنا معه أيضًا أيام العطل حينما كان يحل ضيفًا على العاصمة نهاية الأسبوع مساء في بيت أستاذنا الدكتور محمد ثابت أول (حفظه الله)، وتتمتع معه بأغذية متنوعة الأشكال والأذواق، غذاء علمي نتصفح معه ذكرياته ومحطات من التراث والتاريخ الجزائري والسياسة والتربية الروحية مع الشيخ مختار، أو “سيدي خاي”، هكذا كان يسميه أولاده وبناته وحتى أحفاده. كما نتناول بسبب حضوره غذاءً آخر ماديًا متنوعًا زاخرًا من الأكلات والحلويات التلمسانية تعدها لنا خصيصًا بكميات معتبرة ابنته الدكتورة الحاجة سلمة (حفظها الله)، رغم تعدد انشغالاتها داخل وخارج البيت.

الشيخ مختار الهدام، سيرة ومسيرة

في مثل هذه الأيام أيضًا، وتحديدًا 31 ديسمبر 2001، يرحل الشيخ مختار الهدام (1916-2001)، أي بعد 28 سنة بالتمام والكمال من وفاة قرينه مالك بن نبي، رحمهما الله. وهذه نبذة مختصرة عن حياة ومسيرة نضال الشيخ مختار:

ولد الشيخ مختار بن محمد بن مختار الهدام بمدينة تلمسان يوم 6 يونيو 1916، من عائلة محافظة يعود تاريخها إلى بلاد الأندلس. نشأ يتيمًا فقيرًا في حي شعبي يسمى “باب علي” بتلمسان، حيث توفي والده تاركًا إياه في عمر يناهز الحادية عشرة، وهو الابن الأكبر من بين 6 إخوة وأخوات.

أدخله والده مدرسة حفظ القرآن وتعلم اللغة العربية بحي “القرّان” بتلمسان، ليتخرج منها في سبتمبر 1926 حافظًا لكتاب الله وهو في السنة العاشرة من عمره.

التحق الشيخ مختار بالمدرسة الفرنسية بتلمسان للطور الابتدائي، ثم بالثانوية الفرنسية بتلمسان ليتحصل على شهادة التعليم الثانوي شعبة الرياضيات في يونيو 1937 بفرنسا؛ كان عليه آنذاك السفر إلى باريس للامتحان، فمكث هناك مدة ودرس بالسوربون.

تتلمذ على يدي شيخه العلامة الإمام البشير الإبراهيمي

كان مختار هدام، منذ صغره، من تلامذة جمعية العلماء المسلمين، حيث كان يحضر باستمرار دروس شيخه العلامة الإمام البشير الإبراهيمي رحمه الله. وقد كُلف خلال حفل تأسيس مدرسة “دار الحديث” بتلمسان، وهو في عمر يناهز العشرين سنة، بمسؤوليات ترتيب أمن ضيوف الحفل من علماء وشخصيات، قدموا لتلمسان، حسب ما يذكر بعض أولاده.

كما كان في نفس الوقت من مناضلي حزب شمال إفريقيا ثم حزب الشعب الجزائري، حيث كان مسؤولًا عن فرع الحزب بمدينة تلمسان؛ وهناك تعرّف على الرئيس الراحل أحمد بن بلة في بداياته النضالية عندما التحق بالفرع قادمًا من مدينة مغنية، حيث انخرط أيضًا الشاب أحمد بن بلة أيامها في الكشافة الإسلامية تحت إمرة الشيخ محمود بوزوزو، المرشد العام للكشافة الإسلامية الجزائرية في تلك الفترة على المستوى الوطني.

المناضل مختار هدام يعود إلى باريس، هربًا من ملاحقات بوليس الاحتلال

اضطر الشاب المناضل مختار هدام للعودة إلى باريس، هربًا من ملاحقات بوليس الاحتلال، في بداية السنة الدراسية لـ 1937 / 1938 والتحق بجامعة السوربون للدراسات العليا في الرياضيات والفيلولوجيا. وكان في تلك الفترة يدرّس الرياضيات في إحدى ثانويات باريس.

كما استأنف في تلك الفترة نشاطه السياسي في صفوف حزب الشعب. وكانت له فرصة للاحتكاك بكبار زعماء حركات التحرر في المنطقة من مصريين ومغاربة وتونسيين إلى جانب الجزائريين، كما تعرف على الدكتور توفيق الشاوي من أيامها.

لكن مع بداية صيف 1940 ومع الحرب العالمية الثانية، ازداد وضع عائلة هدام تدهورًا في تلمسان، فطلبت منه أمه العودة إلى البلد ومساعدتها في توفير سبل العيش للأسرة الفقيرة.

عودته إلى تلمسان، وتفرغه للتربية والتعليم، وتجنيده للعقيد لطفي وأقرانه

ومنذ عودته إلى تلمسان، تفرغ للتربية والتعليم، خاصة في الإدارة، كإطار لمواصلة نضاله من أجل الوطن، فاستثمر في الجيل الصاعد، مشجعًا أخاه الأصغر التيجاني هدام لمواصلة دراسته والانخراط في النضال السياسي، حيث صار شقيقه فيما بعد طبيبًا فوزيرًا ثم عميدًا لمسجد باريس بفرنسا، إبان الاستقلال.

وهكذا كان من بين تلامذة الشيخ مختار العديد من مجاهدي الثورة التحريرية للمنطقة الغربية، على رأسهم العقيد لطفي رحمه الله الذي استأذنه قبل الصعود إلى الجبل والانخراط في الجهاد المسلح؛ وكذلك العديد ممن أصبحوا إطارات الدولة الجزائرية الفتية فور الاستقلال.

وبعد الاستقلال، كان الشيخ مختار يلقي محاضرات بتلمسان وضواحيها وكذا دروسًا دينية في بعض مساجدها. كما انخرط في النشاط الجمعوي في المدينة. مع عمله كمدير لثانوية البنات مليحة حميدو بتلمسان (1969 / 1985)، حتى تقاعده.

نصيحة الشيخ مختار هدام لمالك بن نبي في آخر حياته

شهادة الأستاذ مختار هدام على الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، يقول فيها التالي:

“تعرفت على الأستاذ مالك بن نبي في الجزائر بعد الاستقلال ولم يكن بيننا تعارف في فرنسا، رغم أننا كنا هناك في زمن واحد، وأنا أعتبر الأستاذ مالك إمامًا، فقد ضحى وبذل من جهده ووقته الكثير. وقد أتاني قبل وفاته بسنة تقريبًا وقال لي: إنني عازم على الهجرة فقلت له إن الشيخ ابن باديس رحمه الله قال عمن يهجر أرض بلاده، وهي في حاجة إليه ولجهده، كأنه يفر من المعركة يوم الزحف، فإذا هاجرت أنت للخارج، فإنك تستسلم للآخرين وتفر من المعركة. فأصغى مالك لنصيحة عمي مختار، وتراجع مالك بن نبي رحمه الله عن فكرة مشروع السفر للخارج، ولم يدري الشيخ مختار، ما سبب له من الآلام في تلك السنة التي عاشها في الجزائر قبل وفاته، على حد تعبيره، رحمهما الله!!”

مضيفًا بقوله: “كان مالك رحمه الله مؤمنًا بالقضاء والقدر وهو مريض، بحيث لم يتأثر حين أخبره ابني (طبيب جراح) بأنه مصاب بسرطان الدماغ، فسلم أمره لله، ولم يخبر بذلك أحدًا، وظل يجاهد حتى آخر رمق من حياته رحمه الله”.

مضيفًا بقوله: “ابني الدكتور الحبيب هدام كان من المقربين للأستاذ مالك رحمه الله وكان يعتبره طبيبه الشخصي والخاص”.

مضيفًا بقوله: “نعم الشيخ مالك بن نبي مفكر وإمام، كيف لا يكون إمامًا، وهو الذي أسس وبنى أول المساجد الطلابية في الجامعات والمعاهد وألهب حماس الشباب نحو وعي حضاري فاعل طيلة سنوات الاستقلال.. إن مالك بحق إمام الأئمة ومصلح الأمة، حاضر وأطر وكون ورافع في كل جامعات الدنيا ووجه النخبة نحو تغيير حضاري شامل لينقذ الأمة من الضياع.. إن مالك بكلمة واحدة “ملهم الأجيال”، رحمهما الله جميعًا، ونفع الله بعلمهما الأجيال.. ورحم شهداء ثورتنا المجيدة، وهم شبابنا حسن الاقتداء بمثل هؤلاء الكبار، رجال شامخون، شموخ جبال الأوراس وجرجرة والونشريس.. والله ولي التوفيق ناصر العباد و…”

التعليقات مغلقة.