أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

«هل أصبح الرجل محفظة مالية في الحياة الزوجية؟

محمد عيدني

لم تعد التحولات التي تعرفها العلاقات الزوجية في المجتمعات المعاصرة مجرد خلافات يومية مرتبطة بتدبير شؤون البيت أو اختلاف وجهات النظر بين الزوجين، بل أصبحت موضوعاً يستدعي قراءة سوسيولوجية ونفسية واقتصادية معمقة، بالنظر إلى ما تعرفه الأسرة من تغيرات في منظومة القيم، وأنماط الاستهلاك، وتصورات الأدوار الاجتماعية، ومفهوم المسؤولية المشتركة.
ومن خلال المعطيات والملاحظات التي أثارها ربورتاج طاقم جريدة أصوات، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة التحول الذي قد يطرأ على العلاقة الزوجية بعد إبرام عقد الزواج: لماذا تتراجع أحياناً لغة التفاهم والتضامن التي طبعت مرحلة التعارف والخطوبة، لتحل محلها مطالب مادية وانتظارات متزايدة؟ وهل يتعلق الأمر بتغير في شخصية أحد الزوجين، أم بتحول في طبيعة العلاقة ذاتها، أم بتأثير عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية أوسع؟
إن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي الابتعاد عن الأحكام الجاهزة والتعميم على النساء أو الرجال، والتعامل معها باعتبارها إشكالية اجتماعية مركبة تتداخل فيها عوامل التنشئة الاجتماعية، والتمثلات الثقافية، والاستقلال الاقتصادي، والتوقعات العاطفية، والتغيرات التي طرأت على مفهوم الأسرة.
أولاً: مرحلة ما قبل الزواج واختلاف التوقعات
تتميز مرحلة التعارف والخطوبة غالباً بارتفاع مستوى التوقعات الإيجابية لدى الطرفين، حيث يقدم كل طرف تصوراً عن الحياة المشتركة، قد يتسم بالمثالية والرغبة في إظهار أفضل الصفات الشخصية.
غير أن هذه المرحلة لا تكشف بالضرورة عن جميع التصورات المرتبطة بالإنفاق، وتقاسم المسؤوليات، وطبيعة الحياة اليومية، وحدود الاستقلال الشخصي.
وبعد الزواج، تنتقل العلاقة من المجال العاطفي والتوقعي إلى المجال الواقعي، حيث تظهر الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية بصورة مباشرة. وهنا قد يكتشف الطرفان وجود اختلافات لم تكن واضحة سابقاً، خصوصاً في ما يتعلق بمستوى المعيشة، والإنفاق، والادخار، والأولويات.
ومن منظور علم الاجتماع الأسري، يمكن تفسير جانب من هذه التوترات بوجود فجوة بين التوقعات السابقة للزواج والواقع المعيشي اللاحق له.
ثانياً: المال وتحول العلاقة إلى منطق استهلاكي
أصبح الاستهلاك في المجتمعات الحديثة مرتبطاً، لدى بعض الفئات، بالمكانة الاجتماعية وصورة الفرد أمام محيطه. ولم تعد بعض المقتنيات مجرد وسائل لتلبية الحاجيات، بل أصبحت رموزاً للنجاح والاعتبار الاجتماعي.
وفي السياق الزوجي، قد يظهر ذلك من خلال المطالبة المتكررة بالذهب، والملابس، ومستحضرات التجميل، والسيارة، ورخصة السياقة، والسفر، والمطاعم والمراكز التجارية.
ولا تكمن الإشكالية في هذه الاحتياجات بحد ذاتها، إذ تختلف الرغبات المشروعة من أسرة إلى أخرى، وإنما في تحولها إلى التزامات تتجاوز القدرة المالية للأسرة، أو اعتمادها معياراً للحكم على قيمة الزوج ومكانته.
إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الإنفاق وسيلة لإثبات الحب، وعندما يُقاس نجاح الرجل بقدرته المستمرة على تلبية المطالب، دون اعتبار لدخله والتزاماته وظروفه الاقتصادية.
وهنا يمكن الحديث عن انتقال العلاقة من منطق الشراكة والتكافل إلى منطق الاستهلاك والمقابل، وهو تحول قد يؤدي إلى إضعاف الروابط الوجدانية إذا لم يصاحبه وعي مشترك بطبيعة المسؤولية الأسرية.
ثالثاً: السلطة داخل الأسرة وإشكالية السيطرة
لا يمكن فهم بعض الخلافات الزوجية دون التطرق إلى مفهوم السلطة داخل الأسرة.
فالسلطة الزوجية ليست بالضرورة سلطة مالية أو جسدية، بل تتخذ أشكالاً متعددة، من بينها التحكم في القرارات، وتحديد الأولويات، وإدارة الموارد المالية، والتأثير في العلاقات الاجتماعية، وتوزيع المسؤوليات.
وقد يمارس أحد الطرفين تأثيراً أكبر على الآخر نتيجة امتلاكه الموارد الاقتصادية أو القدرة على اتخاذ القرار أو امتلاكه أدوات الضغط النفسي والعاطفي.
وفي هذا الإطار، لا يصح اعتبار كل تنازل من الرجل ضعفاً، كما لا يصح اعتبار كل مطالبة من المرأة رغبة في السيطرة. فقد يكون التنازل تعبيراً عن النضج العاطفي، وقد يكون أحياناً نتيجة الخوف من النزاع أو فقدان العلاقة.
لكن عندما يصبح التنازل أحادي الاتجاه، وتغيب المفاوضة المتوازنة، فإن العلاقة قد تدخل في اختلال بنيوي يجعل أحد الطرفين يشعر بأنه يؤدي واجبات مستمرة دون أن يحصل على التقدير أو المشاركة.
رابعاً: الرجل بين ضغط الإنفاق والإنهاك النفسي
تفرض التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة ضغوطاً متزايدة على عدد من الأسر، خصوصاً عندما يكون دخل الأسرة محدوداً مقارنة بحجم الالتزامات.
وفي بعض الحالات، يجد الرجل نفسه مطالباً بتلبية احتياجات أسرته، إلى جانب مطالب استهلاكية إضافية، ما يدفعه إلى البحث عن عمل ثانٍ أو مصادر دخل أخرى، وقد يضطر إلى الاستدانة للحفاظ على مستوى معيشي لا يتناسب مع إمكانياته.
ومع استمرار الضغط، يمكن أن تتولد مشاعر الإحباط والعجز والتوتر، خصوصاً عندما يغيب الحوار أو يتحول النقاش المالي إلى اتهامات شخصية.
ومن الناحية النفسية، فإن استمرار النزاع حول المال قد يؤثر في جودة العلاقة الزوجية، ويضعف الشعور بالأمان والتقدير المتبادل، وقد يساهم في زيادة احتمالات الانفصال.
غير أن الإنهاك النفسي لا يرتبط بالإنفاق وحده، بل قد ينتج أيضاً عن غياب الاعتراف بالمجهود، وعدم توزيع المسؤوليات، وانعدام الدعم العاطفي.
خامساً: المرأة والتحولات الاجتماعية الجديدة
إن أي تحليل علمي للعلاقات الزوجية يقتضي فهم التحولات التي عرفتها المرأة داخل المجتمع، سواء على مستوى التعليم أو العمل أو الاستقلال الاقتصادي أو المشاركة في اتخاذ القرار.
لقد أصبحت المرأة المعاصرة أكثر حضوراً في الفضاء العام، وأكثر قدرة في حالات كثيرة على التعبير عن احتياجاتها وتطلعاتها، وهو تحول اجتماعي طبيعي لا ينبغي تفسيره باعتباره تمرداً على الأسرة أو رغبة في السيطرة.
لكن هذه التحولات قد تصطدم أحياناً بتصورات تقليدية حول الأدوار الزوجية، أو بتوقعات استهلاكية متأثرة بالمحيط الاجتماعي ووسائل التواصل الحديثة.
ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في تطور مكانة المرأة أو مطالبتها بحقوقها، بل في كيفية التوفيق بين الاستقلال الشخصي والتضامن الأسري، وبين الحقوق والواجبات، وبين الطموحات الفردية والإمكانيات المشتركة.
كما أن بعض النساء قد يتعرضن بدورهن لضغوط مادية ونفسية، أو يجدن أنفسهن أمام أزواج لا يتحملون مسؤولياتهم، وهو ما يؤكد ضرورة اعتماد مقاربة متوازنة لا تختزل الأزمة في طرف واحد.
سادساً: المظاهر الاجتماعية وتأثير المقارنة بالآخرين
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً يعرض أنماطاً متعددة من الحياة الاستهلاكية، حيث تنتشر صور السفر والسيارات والمجوهرات والمطاعم والمظاهر المرتبطة بالرفاهية.
وقد تؤدي المقارنة المستمرة بين الحياة الواقعية والصور المنشورة إلى رفع سقف التوقعات لدى بعض الأفراد، وإلى الشعور بأن الحياة الزوجية أقل نجاحاً إذا لم تتوفر فيها المظاهر نفسها.
وهنا تظهر خطورة ربط الاستقرار الأسري بالمكانة الاجتماعية أو بالممتلكات، لأن الأسرة قد تدخل في منافسة استهلاكية لا تنتهي، وتتحول من فضاء لتحقيق الاستقرار إلى مصدر دائم للضغط المالي.
سابعاً: الطلاق بوصفه نتيجة لا سبباً
عندما تتراكم الخلافات المالية والعاطفية، ويصبح الحوار عاجزاً عن معالجة الاختلافات، قد يصل الزوجان إلى مرحلة يشعر فيها كل طرف بأن العلاقة لم تعد توفر له الحد الأدنى من الاستقرار.
وقد يفكر الرجل في الانسحاب بسبب الضغط الاقتصادي أو الشعور بالتهميش، كما قد تفكر المرأة في الانفصال بسبب غياب المسؤولية أو الاحترام أو الأمان.
لكن اختزال الطلاق في المطالب المادية وحدها لا يقدم تفسيراً علمياً كافياً، لأن الانفصال غالباً ما يكون نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، منها ضعف التواصل، والعنف، والخيانة، والتفاوت في التوقعات، والصعوبات الاقتصادية، وغياب التوافق.
لذلك، فإن معالجة الأزمة الزوجية تبدأ قبل الوصول إلى قرار الانفصال، من خلال الحوار الصريح، والاتفاق على ميزانية الأسرة، وتحديد الأولويات، واحترام الحقوق والحدود الشخصية.
خاتمة: الزواج شراكة إنسانية لا علاقة مالية
إن ما تكشفه هذه الملاحظات الاجتماعية هو أن المؤسسة الزوجية تواجه تحديات تتجاوز الخلافات التقليدية، لتشمل تغيراً في منظومة القيم والتصورات المرتبطة بالحب والمال والسلطة والمسؤولية.
فلا ينبغي أن يتحول الرجل إلى مجرد مصدر للإنفاق، ولا أن تتحول المرأة إلى طرف مطالب بالصمت والتنازل عن حقوقه. إن العلاقة السليمة تقوم على التوازن والاحترام المتبادل، وعلى إدراك أن القدرة المالية ليست ثابتة، وأن الظروف الاقتصادية قد تتغير، وأن قيمة الإنسان لا تختزل في دخله أو ممتلكاته.
إن الرجل الذي يتنازل بدافع الحب ليس ضعيفاً، والمرأة التي تطالب بحقوقها ليست متسلطة، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الحب إلى وسيلة للضغط، أو تتحول الحقوق إلى مطالب غير محدودة، أو يصبح المال المعيار الوحيد لتقييم العلاقة.
وفي النهاية، يبقى السؤال السوسيولوجي الأعمق: هل تعيش الأسرة المعاصرة أزمة في الحب، أم أزمة في القيم، أم أزمة في التوازن بين الحقوق والواجبات؟
إن الإجابة لا يمكن أن تقدمها الانطباعات وحدها، بل تحتاج إلى دراسات ميدانية تستمع إلى النساء والرجال، وتدرس أنماط الإنفاق والتواصل واتخاذ القرار داخل الأسر، بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
فالزواج لا ينجح بمن يدفع أكثر، ولا بمن يفرض كلمته، وإنما بمن يدرك أن الأسرة مسؤولية مشتركة، وأن المودة والرحمة لا يمكن أن تستمرا في غياب العدل والتقدير والتفاهم.

التعليقات مغلقة.