أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

سلوكيات القمع.. كيف يتحول الإنسان إلى ضحية وكيف يحمي نفسه؟

"جريدة أصوات"

لا يبدأ القمع دائما بالعنف الجسدي أو التهديد المباشر بل قد يتسلل إلى حياة الإنسان من خلال كلمات جارحة أو فرض الرأي أو التخويف، أو التقليل من قيمة الآخرين وصولا إلى التحكم في قراراتهم وتقييد حريتهم في التعبير والتصرف. إنها سلوكيات قد تظهر داخل الأسرة ومحيط العمل والعلاقات الاجتماعية وحتى في الفضاء العام وتترك آثارا نفسية واجتماعية قد تستمر لفترات طويلة.

ويعد القمع من السلوكيات التي تقوم على استعمال القوة أو النفوذ أو الضغط النفسي لفرض السيطرة على الآخرين سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير معلنة. فالشخص الذي يمارس هذا السلوك لا يسعى دائما إلى حل الخلاف أو الوصول إلى تفاهم بل قد يحاول إخضاع الطرف الآخر وجعله يتنازل عن حقوقه أو قناعاته خوفا من العواقب.

 

كيف تظهر سلوكيات القمع في الحياة اليومية؟

تتخذ سلوكيات القمع أشكالا متعددة من بينها إسكات الآخرين عند التعبير عن آرائهم وتهديدهم بفقدان العمل أو المكانة الاجتماعية واستعمال الإهانة والتخويف لإجبارهم على تنفيذ الأوامر فضلا عن ممارسة الضغط النفسي المستمر وإشعارهم بأنهم أقل قيمة أو قدرة على اتخاذ القرارات.

وفي بيئة العمل، قد يظهر القمع من خلال استغلال المسؤول لمنصبه لفرض شروط غير عادلة، أو تجاهل الحقوق المهنية أو التعامل مع العاملين بمنطق الأوامر والتهديد بدل الحوار والاحترام المتبادل.

أما في العلاقات الاجتماعية فقد يتجلى في التحكم المفرط، والابتزاز العاطفي ومحاولة عزل الشخص عن محيطه أو حرمانه من حقه في الاختيار.

 

لماذا يقبل بعض الأشخاص التعرض للقمع؟

لا يعني الصمت أمام السلوك القمعي الموافقة عليه أو العجز عن مواجهته. فقد يجد الإنسان نفسه أمام ظروف تجعله يتجنب المواجهة مثل الخوف من فقدان مصدر رزقه أو القلق من ردود الفعل أو الرغبة في الحفاظ على الاستقرار الأسري والاجتماعي.

كما أن تكرار التعرض للإهانة والتخويف قد يجعل بعض الأشخاص يفقدون الثقة في قدراتهم، ويعتقدون تدريجيا أن الاعتراض لن يغير شيئا وهو ما يسمح باستمرار السلوك المسيء وتطوره.

 

كيف يتجنب الإنسان الوقوع في مواقف القمع؟

تبدأ الحماية من الوعي بالحقوق الشخصية والمهنية والتمييز بين السلطة المشروعة التي تفرضها القوانين أو طبيعة المسؤوليات وبين استعمال النفوذ للإهانة أو الإكراه أو الاستغلال.

ومن المهم أن يتعلم الإنسان وضع حدود واضحة في تعاملاته وأن يعبر عن رفضه للسلوك غير المقبول بطريقة هادئة وحازمة دون الانجرار إلى الاستفزاز أو الدخول في مواجهات قد تعرضه للخطر.

كما ينبغي عدم الخلط بين الاحترام والخضوع؛ فالاحترام المتبادل لا يعني التخلي عن الكرامة أو قبول الإهانة وطاعة القواعد المهنية والقانونية لا تعني التنازل عن الحقوق الأساسية.

 

ومن الوسائل العملية التي تساعد على حماية النفس:

 

     معرفة الحقوق: الاطلاع على الحقوق القانونية والمهنية والاجتماعية لتجنب الاستغلال.

  • ضبط الانفعالات: عدم اتخاذ قرارات متسرعة تحت تأثير الغضب أو الخوف.

  • وضع الحدود: رفض الإهانة والتهديد والضغط غير المشروع بأسلوب واضح ومحترم.

  • توثيق التجاوزات: الاحتفاظ بالرسائل والوثائق وتسجيل الوقائع والتواريخ عندما يكون ذلك قانونيا وآمنا.

  • طلب المساندة: الاستعانة بالأشخاص الموثوقين أو الجهات المختصة عند التعرض للتهديد أو الاستغلال.

  • تجنب المواجهة الخطيرة: الانسحاب من المواقف التي قد تتحول إلى اعتداء جسدي أو تهديد مباشر، مع طلب المساعدة عند الضرورة.

     

هل مواجهة القمع تعني الدخول في الصراع؟

 

ليس بالضرورة.

فالقوة الحقيقية لا تكمن دائماً في رفع الصوت أو الرد بالمثل وإنما في القدرة على حماية النفس واتخاذ القرار المناسب وعدم السماح للآخرين باستغلال الخوف أو الحاجة أو الظروف الشخصية.

وقد يكون الانسحاب من موقف متوتر أكثر حكمة من الاستمرار في مواجهة غير متكافئة خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخص يمتلك سلطة أو نفوذا قد يستعمله للإضرار بالطرف الآخر. لكن الانسحاب لا يعني التنازل عن الحق إذ يمكن اللجوء لاحقاً إلى المسارات القانونية والمؤسساتية المناسبة.

 

الكرامة الإنسانية تبدأ من الوعي بالحدود

إن بناء شخصية قادرة على التعامل مع السلوكيات القمعية يتطلب الثقة بالنفس والاستقلال في التفكير والقدرة على التمييز بين النقد المشروع والإهانة وبين الاختلاف في الرأي ومحاولة فرض السيطرة.

وفي النهاية، لا يمكن بناء علاقات إنسانية أو مهنية سليمة في بيئة يسودها التخويف والإذلال. فالمجتمع المتوازن هو الذي يحترم الاختلاف ويضمن حق الإنسان في التعبير والاختيار ويجعل السلطة مسؤولية مرتبطة بالقانون لا وسيلة للتحكم في الآخرين.

فالإنسان لا يحتاج إلى قمع غيره حتى يثبت قوته ولا ينبغي له أن يقبل القمع حتى يحافظ على مكانته إذ تظل الكرامة والاحترام المتبادل أساسا لأي علاقة إنسانية سليمة.

التعليقات مغلقة.