تشهد المقاربة الدولية تجاه إيران نقاشاً متزايداً حول جدوى السياسات التي اتُّبعت خلال العقود الأربعة الماضية، في ظل تصاعد الدعوات إلى مراجعة شاملة لنهج التعامل مع طهران. وترى تحليلات سياسية أن سياسة “الاسترضاء” لم تحقق أهدافها المعلنة، بل أتاحت للنظام الإيراني، وفق هذا الطرح، تعزيز قبضته الداخلية وتوسيع نفوذه الإقليمي.
وبحسب المعطيات الواردة في هذا التصور، فإن استمرار النهج السابق لم يسهم في إحداث إصلاحات داخلية أو تغيير في سلوك النظام، ما يدفع إلى المطالبة باعتماد استراتيجية جديدة تقوم على مبدأ “الضغط الهيكلي”، بالتوازي مع دعم قوى المعارضة المنظمة باعتبارها خياراً لتحقيق انتقال سياسي سلمي.
ويستند هذا الطرح إلى عدة مرتكزات، أبرزها اعتبار أن نموذج “الإصلاح من الداخل” أثبت محدوديته، في ظل رؤية تعتبر أن البنية الأيديولوجية للنظام ترفض أي انفتاح ديمقراطي قد يهدد استمراريته. كما يبرز المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وفق هذا التصور، باعتباره أحد أبرز الفاعلين السياسيين، مستنداً إلى برنامجه المعروف بـ”النقاط العشر”، الذي يطرح تصوراً لإقامة دولة ديمقراطية علمانية عبر انتقال سياسي منظم.
وفي السياق ذاته، تدعو الرؤية المطروحة إلى انتقال المجتمع الدولي من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة حسمها، من خلال تشديد الضغوط المالية والقانونية على المؤسسات الأمنية وأجهزة القمع، بالتزامن مع توفير دعم سياسي للقوى المطالبة بالتغيير.
وتتوقع الدراسة ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال المرحلة المقبلة. ويتمثل السيناريو الأول، الذي يوصف بالأكثر ترجيحاً، في تزايد الضغوط الدولية والاحتجاجات الداخلية بما يؤدي إلى إضعاف مؤسسات النظام وتهيئة الظروف لمرحلة انتقالية تقودها المعارضة المنظمة. أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار تشدد النظام، بما قد يدفع إيران إلى مزيد من العزلة الدولية في نموذج يشبه التجربة الكورية الشمالية، مع احتمال حدوث انهيار مؤسساتي مفاجئ. فيما يطرح السيناريو الثالث انتقالاً سياسياً منظماً، يقوم على الاعتراف بالمعارضة الديمقراطية وإجراء انتخابات تفضي إلى تداول السلطة.
وتشمل التوصيات الواردة في هذه الرؤية رفع الغطاء السياسي عن النظام الإيراني، وتوجيه الخطاب الدولي نحو الشعب الإيراني وقوى المعارضة بدلاً من التركيز على الحوار مع مؤسسات الحكم، إلى جانب تفعيل الآليات القانونية الدولية لمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، والانفتاح على المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية باعتباره، وفق هذا الطرح، مرجعية سياسية لمرحلة ما بعد التغيير.
وتخلص هذه الرؤية إلى أن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط يرتبط بمعالجة الأزمة السياسية في إيران، معتبرة أن دعم انتقال ديمقراطي منظم يمثل خياراً استراتيجياً يهدف إلى الحد من التوترات الإقليمية، وتمكين الشعب الإيراني من توجيه موارد البلاد نحو التنمية الداخلية، بدلاً من استمرار استنزافها في الصراعات الإقليمية.

التعليقات مغلقة.