أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

أجور البرلمانيين والعدالة الاجتماعية أين المردودية؟

محمد المشاوري

تطرح كلفة التمثيلية البرلمانية في المغرب نقاشاً متجدداً حول مدى التوازن بين التعويضات التي يحصل عليها المنتخبون، وبين الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من المواطنين والعاملين والمستخدمين، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد المطالب المرتبطة بالعدالة الاجتماعية.

فالمؤسسة التشريعية يفترض أن تشكل فضاءً للدفاع عن حقوق المواطنين، وتحويل انشغالاتهم اليومية إلى تشريعات وسياسات عمومية ومراقبة فعلية لأداء الحكومة. غير أن الفارق بين ما يتقاضاه البرلمانيون وبين مداخيل شرائح واسعة من المجتمع يثير تساؤلات حول علاقة التعويض بالمسؤولية والمردودية.

وباعتماد مبلغ 35 ألف درهم شهرياً للبرلماني الواحد، لأغراض الحساب فقط، فإن كلفة تعويض 395 برلمانياً تصل حسابياً إلى نحو 13.825 مليون درهم شهرياً، أي حوالي 165.9 مليون درهم سنوياً، وما يقارب 829.5 مليون درهم خلال ولاية مدتها خمس سنوات.

ولا يشمل هذا الحساب، وفق المعطيات الواردة في النص، مصاريف أو امتيازات أخرى مرتبطة بالمهام، من قبيل السكن والتنقل والسيارات والمهام الرسمية والسفر وغيرها من التعويضات والمصاريف.

لا يتعلق النقاش بالضرورة برفض حق البرلماني في الحصول على تعويض مقابل المسؤوليات التي يتحملها، وإنما يرتبط أساساً بمدى تناسب هذه الكلفة مع المردودية المنتظرة من المؤسسة التشريعية.

فالمواطن الذي يواجه صعوبات في الولوج إلى العلاج، أو يعاني من مشاكل مرتبطة بالتعليم والشغل والسكن والحماية الاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة، ينتظر من ممثليه أن ينقلوا هذه الانشغالات إلى البرلمان، وأن يعملوا على إيجاد حلول تشريعية وسياسية لها.

ومن هذا المنطلق، لا يصبح السؤال مقتصراً على مقدار التعويض الذي يحصل عليه البرلماني، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالمصلحة العامة: ماذا تحقق مقابل هذه المسؤولية؟

فالتشريع لا ينبغي أن يظل مجرد نصوص تتم المصادقة عليها، بل يفترض أن تكون له انعكاسات ملموسة على حياة المواطنين، وأن تساهم المؤسسة البرلمانية في حماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز شروط العيش الكريم.

في المقابل، يعيش عدد كبير من العمال والموظفين والمستخدمين تحت ضغط الأجور المحدودة وارتفاع تكاليف المعيشة، فيما تواجه فئات أخرى، من متقاعدين وأرامل وأسر هشة، صعوبات في تأمين احتياجاتها الأساسية.

وتكشف هذه المفارقة عن الحاجة إلى نقاش أوسع حول العدالة في الأجور وتوزيع الموارد العمومية، ومدى قدرة منظومة المداخيل والتعويضات على الاستجابة لمتطلبات العدالة الاجتماعية.

كما تطرح مسألة الحد الأدنى للعيش الكريم، والفوارق في الدخل، وآليات الحماية الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة والمردودية، باعتبارها قضايا تتجاوز النقاش حول أجور البرلمانيين لتلامس طبيعة النموذج الاجتماعي والاقتصادي برمته.

ويظل من المهم أن يتم هذا النقاش بعيداً عن التعميم أو استهداف الأشخاص، باعتبار أن البرلماني مؤسسة منتخبة ويتحمل مسؤوليات دستورية، ومن حقه الحصول على التعويضات التي يحددها القانون.

غير أن الحق في التعويض يقابله أيضاً حق المواطن في معرفة حجم الإنفاق العمومي، ومتابعة أداء ممثليه، وتقييم حصيلتهم ومساءلتهم عن النتائج.

وعليه، فإن جوهر النقاش لا يكمن في وجود تعويض من عدمه، وإنما في مدى التناسب بين التعويض والمسؤولية والمردودية والعدالة الاجتماعية.

وبين أجور من أوكل إليهم المواطنون مهمة الدفاع عن مصالحهم، ومداخيل العمال والمستخدمين والمتقاعدين والأرامل والفئات الهشة، تبرز أسئلة مجتمعية يصعب تجاوزها.

فإذا كان البرلماني مطالباً بالدفاع عن الصحة والتعليم والشغل والسكن والعيش الكريم، فمن حق المواطن أن يتساءل: هل تعكس منظومة الأجور والتعويضات داخل المجتمع مستوى العدالة الاجتماعية المنشودة؟ وهل يشعر المواطن الذي يعيش بأجر محدود بأن صوته مسموع داخل المؤسسات التي يفترض أنها تمثله؟

إنها في النهاية ليست دعوة إلى الانتقاص من أهمية البرلمان أو من أدوار المنتخبين، بقدر ما هي دعوة إلى رفع سقف المحاسبة، وربط المال العام بالمردودية، والتمثيلية بالمسؤولية، والتشريع بتحسين حياة المواطن.

فالمعيار الحقيقي لأي مؤسسة منتخبة لا ينبغي أن يكون فقط حجم ما يُنفق عليها، وإنما أيضاً حجم ما تقدمه للمواطن الذي منحها ثقته، وانتظر منها أن تجعل من العيش الكريم نتيجة ملموسة لعملها.

التعليقات مغلقة.