أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الخيانة الزوجية بين القانون وهشاشة الأسرة

محمد عيدني

​تشكل مؤسسة الأسرة النواة الأساسية لبناء مجتمع سليم ومتماسك، غير أن هذا الكانان معرض لهزات وتصدعات تهدد كيانه، في مقدمتها جريمة الخيانة الزوجية. وقد حرص المشرع المغربي على حماية الروابط الزوجية وصيانة الأخلاق العامة من خلال إقرار ترسانة زجرية، يبرز في صدارتها الفصل 491 من القانون الجنائي، الذي يضع الإطار القانوني الدقيق للتعامل مع هذا الفعل الإجرامي، محدداً شروط المتابعة والاستثناءات المرتبطة بها بدقة متناهية.
​الإطار القانوني: قراءة في مقتضيات الفصل 491
​يحدد الفصل 491 عقوبة حبسية تراوح بين سنة سنتين لكل زوج ثبت في حقه ارتكاب جريمة الخيانة الزوجية. بيد أن المشرع أحاط هذه المتابعة بضوابط إجرائية صارمة؛ إذ اشترط كقاعدة عامة تقديم شكاية من الطرف المجني عليه (الزوج أو الزوجة) لتحريك الدعوى العمومية، معتبرا إياها قيدا إجرائيا لا غنى عنه لحماية استقرار الأسر وعدم إشاعة النزاعات العائلية أمام القضاء دون رغبة أصحاب الشأن.
​لكن المشرع استثنى من هذه القاعدة حالات خاصة تقتضي التدخل لحماية النظام العام ومواجهة الحالات السافرة؛ ففي حالة غياب أحد الزوجين خارج تراب المملكة، خول الفصل 491 للنيابة العامة صلاحية تحريك المتابعة تلقائيا ضد الزوج المقترف للفعل متى كان يتعاطى الخيانة الزوجية بصفة ظاهرة، وهو ما يعكس حرص القانون على التدخل الفوري حين ينتفي الردع الأسري المباشر وتتطاول الممارسات المخلة بالحياء جهارا.
​تشريح الظاهرة: أبرز أسباب الخيانة الزوجية
​لا يمكن مقاربة جريمة الخيانة الزوجية بمنظور قانوني محض بمعزل عن أبعادها الاجتماعية والنفسية، حيث تتداخل عدة عوامل دافعة نحو ارتكاب هذا الفعل، أبرزها:
​التراجع القيمي والأخلاقي: انحسار الوازع الديني والأخلاقي لدى بعض الأفراد، والتهاون في تقدير عواقب خيانة ميثاق الزوجية الغليظ.
​الفراغ العاطفي والنفسي: غياب الحوار والتواصل اليومي بين الزوجين، وبرود المشاعر، وانعدام التقدير المتبادل، مما يخلق بيئة طاردة تبحث عن البدائل خارج أسوار المؤسسة الزوجية.
​إساءة استخدام التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي: تحول المنصات الرقمية وتطبيقات التعارف إلى نوافذ سهلة لربص علاقات عابرة وغير مشروعة، تسهم في إضعاف الروابط الزوجية الحقيقية.
​الخيانات المالية والمادية: تأثير ضغوط الحياة المعاصرة وما يصاحبها أحيانا من طموحات مادية مفرطة تؤثر على استقرار وسكينة الحياة الأسرية.
​غياب الشريك والسفر الطويل: البعد الجغرافي المستمر لأسباب مهنية أو شخصية، وما يفرضه من تحديات نفسية وعاطفية على الطرف المتواجد بمفرده.

​تظل الخيانة الزوجية جرحا غائرا ينخر كيان الأسرة والمجتمع معا، وإذا كان الفصل 491 من القانون الجنائي يمد يد القانون لردع هذا السلوك وحماية الطرف المضرور، فإن المعالجة الحقيقية لا تقف عند حدود النصوص الزجرية وحدها. بل تستوجب تحصينا وقائيا يعتمد على ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز الوازع الأخلاقي، وإعادة الاعتبار لقيم الوفاء والاحترام المتبادل باعتبارها الحصن الأمني الأول للأسرة المغربية.

التعليقات مغلقة.