أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

أزمة السيولة تعمّق الجدل حول المشاريع التنموية في ليبيا

أزمة السيولة تعمّق الجدل حول المشاريع التنموية في ليبيا

هيمنت أزمة نقص السيولة على المشهد الليبي خلال الأسابيع الأخيرة، مع تواصل مشاهد اصطفاف المواطنين لساعات طويلة أمام المصارف، في وقت فجّر فيه افتتاح «المتحف الوطني» بطرابلس جدلاً واسعاً حول أولويات الإنفاق العام، بين من يراه خطوة حضارية ضرورية، ومن يعتبره إسرافاً غير مبرّر في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وتزامن الجدل حول المشروع الثقافي مع تفاقم الأزمات المعيشية، وعلى رأسها صعوبة الحصول على الرواتب، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين بسبب الانخفاض المتسارع في قيمة الدينار الليبي، ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول جدوى المشاريع الكبرى في بلد يعاني انقساماً سياسياً واختلالاً في السياسات المالية.

ويرى مراقبون أن السجال المتكرر بشأن المشاريع العامة يعكس انقساماً حاداً داخل الرأي العام الليبي، بين من يدافع عن البعد الحضاري والثقافي للدولة، ومن يطالب بإعطاء الأولوية للقطاعات الحيوية، كالصحة والتعليم والخدمات الأساسية. كما لا ينفصل هذا الجدل، وفق تقديراتهم، عن الصراع السياسي القائم بين حكومتي الشرق والغرب، حيث تتحول المشاريع في كثير من الأحيان إلى أدوات لتسجيل النقاط السياسية.

وفي هذا السياق، اعتبر محمد معزب، رئيس لجنة الشؤون السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، أن ما يجري «أمر طبيعي في ظل الأوضاع القاسية التي يعيشها المواطنون»، مؤكداً أن الشارع الليبي بات يلمس خللاً واضحاً في سياسات الإنفاق، سواء لدى حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس أو الحكومة المكلفة من البرلمان في الشرق.

وأوضح معزب أن المواطن الذي ينتظر علاجاً لابنه، أو يقف لساعات أمام المصارف، لا يمكن أن يتفاعل إيجابياً مع افتتاح متحف أو ملعب أو تنظيم احتفالات مكلفة، مشدداً على أن الحل يكمن في تحقيق توازن حقيقي بين تلبية الحاجيات الأساسية وتنفيذ المشاريع التنموية ذات القيمة الاستراتيجية.

في المقابل، دافع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عن مشروع المتحف الوطني، معتبراً أنه «يمثل ذاكرة الوطن وحضاراته المتعاقبة»، غير أن الانتقادات عبر منصات التواصل الاجتماعي كانت الأبرز، حيث رأى كثيرون أن الإنفاق على الاحتفالات لا ينسجم مع واقع المواطن المثقل بالأعباء.

من جهتها، ربطت عضوة ملتقى الحوار السياسي، آمال بوقعيقيص، تصاعد موجة الاعتراض بما وصفته بـ«إجهاض حلم الاستقرار السياسي والاقتصادي منذ 2011»، معتبرة أن تراكم الأزمات دفع شريحة واسعة من الليبيين إلى رفض أي مظاهر احتفالية أو مشاريع لا تمسّ بشكل مباشر حياتهم اليومية.

ويحذّر ناشطون من أن تمويل عدد من هذه المشاريع عبر الاقتراض ساهم في تضخم الدين العام وتراجع قيمة العملة، دون أن يخلق نشاطاً اقتصادياً منتجاً، ما زاد من حدة الغضب الشعبي، وأضعف الثقة في جدوى هذه السياسات.

وبينما تتواصل أزمة السيولة وتتصاعد الضغوط المعيشية، يبقى الشارع الليبي أسير سؤال جوهري: هل تستطيع السلطات، المنقسمة سياسياً، التوفيق بين متطلبات العيش الكريم والحفاظ على البعد الحضاري للدولة، أم أن المشاريع ستظل وقوداً لصراع سياسي لا ينتهي؟

التعليقات مغلقة.