أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الأزمات الطبيعية بين الحقيقة والتضليل

بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس

لم تعد الكوارث الطبيعية، في عصر الثورة الرقمية، مجرد أحداث عابرة تختبر قدرة الدولة والمجتمع على الصمود، بل أضحت أيضًا مناسبات مفضلة لخصوم الوطن من أجل بث الإشاعة، وتضليل الرأي العام، واستثمار اللحظات الحرجة لضرب الثقة وزعزعة الاستقرار النفسي للمواطنين.
ففي أعقاب التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفتها عدد من المدن المغربية، وعلى رأسها مدينة القصر الكبير، وما رافقها من ارتفاع مقلق في منسوب وادي اللوكوس وضغط كبير على سد وادي المخازن، دخلت المدينة مرحلة دقيقة استدعت تعبئة شاملة لمختلف المصالح المختصة، التي وجدت نفسها في سباق مع الزمن لحماية الأرواح والممتلكات.
غير أن ما زاد الوضع تعقيدًا، لم يكن فقط حجم الأضرار أو صعوبة التدخل الميداني، بل ذلك السيل الجارف من المحتويات المضللة التي غزت منصات التواصل الاجتماعي، عبر صور وفيديوهات مفبركة تُظهر مشاهد كارثية لا تعكس حقيقة الوضع على الأرض، بقدر ما تهدف إلى تضخيمه وبث الهلع في صفوف الساكنة.
هذا السلوك الرقمي الخطير لا يمكن اعتباره مجرد تهور فردي أو بحث عن “المشاهدات”، بل يدخل في إطار حرب نفسية ناعمة، تستغل هشاشة اللحظات الحرجة، وحاجة المواطنين للمعلومة السريعة، من أجل ضرب المعنويات، وتشويه مجهودات السلطات، وخلق هوة من الشك وعدم الثقة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الحملات التضليلية لم تعد تعتمد فقط على صور قديمة أو مشاهد مقتطعة من سياقات أخرى، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيدًا، عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة ما يُعرف بـ“التزييف العميق” (Deepfake)، الذي يسمح بإنتاج محتويات سمعية وبصرية عالية الدقة، يصعب على المواطن العادي التمييز بينها وبين الواقع.
وفي هذا الإطار، يحذر مختصون في المجال الرقمي من أن الأزمات الطبيعية أصبحت بيئة خصبة لاستغلال هذه التكنولوجيا بشكل سلبي، حيث يتم توجيه الرأي العام عبر الخوف بدل المعلومة، وعبر الإشاعة بدل التحقق، وهو ما يشكل تحديًا حقيقيًا للأمن المجتمعي وليس فقط للأمن المعلوماتي.
أمام هذا الواقع، تبرز مسؤولية جماعية ملحة، تبدأ أولًا من وعي المواطن بضرورة التحقق من مصادر الأخبار، وعدم الانسياق وراء كل ما يُنشر، خاصة في لحظات التوتر. كما تظل المؤسسات الإعلامية الجادة مطالبة بلعب دورها التنويري، عبر تقديم معطيات دقيقة ومتوازنة، تُسهم في تهدئة الأوضاع بدل تأجيجها.
إن الكوارث، مهما كانت قاسية، تظل اختبارًا للتضامن والوعي، لا فرصة للتشكيك والتخويف. ومعركة المغرب اليوم، إلى جانب مواجهة تقلبات الطبيعة، هي معركة ضد التضليل الرقمي، تتطلب يقظة دائمة، وثقافة إعلامية مسؤولة، وإيمانًا راسخًا بأن قوة المجتمع تكمن في تماسكه، لا في ترويع أبنائه.

التعليقات مغلقة.